الهمّ النسوي في الفكر الإصلاحي التونسي

عائدة بنكريم - المسلّمي - تونس - " وكالة أخبار المرأة "  شهدت تونس ما بعد الثورة سجالا إيديولوجيا بارزا بين خطاب حداثي في قطيعة مع أصوله الثقافية تختفي خلفه مجموعة من النخب والسياسيين ما جعله مشروعا نخبويا بالأساس، وخطاب تقليدي وهو الأكثر شيوعا بين العامة لبساطته وقربه من التكوين الذهني والنفسي لفئات عديدة من المجتمع، وأخيرا خطاب إصلاحي، وهو الحلقة الجامعة بين الخطابين السابقين، ويُعرَّفُ على أنه تطوير خطاب التقليد وتأصيل خطاب التحديث. ويندرج هذا البحث ضمن اهتمامنا بموضوعة المرأة باعتباره مساهمة في تحليل مدى اهتمام الفكر الإصلاحي التونسي بالمرأة ومساهمته الحقيقية في تحررها، ثمّ دور النخب الحداثية في عملية "عصرنة" المرأة وحداثتها. وسيوصلنا ذلك إلى مستوى ثان يتطلب الإجابة عن سؤال مفصلي، خاصة في هذه المرحلة التي أصبحت فيها موضوعة المرأة وتحرّرها والمكتسبات التي حققتها في المجال التشريعي والقانوني والإجتماعي مادة لنقاشات تستبطن خلفيات إيديولوجية وسياسية، ينطلق فيها الجميع من مجلة الأحوال الشخصية باعتبارها لحظة "التكريس" كما يسميها فرج بن رمضان لمكتسبات المرأة التونسية. السؤال هنا هل صحيح ما ذهب إليه العديد من الباحثين والنخب من أن مجلة الأحوال الشخصية هي استجابة لمطالب رجال الإصلاح وطموحاتهم في التحرير؟ أم انّ هناك حيثيات أخرى ودوافع سياسية آنية جعلت من إستصدار هذه المجلة في تلك المرحلة عملية إستباقية لقطع الطريق أمام الإمكانيات المحتملة لظهور حركات وقيادات تحررية خارج المنظومة البورقيبية ذات التوجه الأحادي في القيادة والزعامة.  هدفنا في هذا الجزء الأول التعريف ببعض جوانب مسارات تحرر المرأة التونسية التي يمكن أن نقسّمها إلى ثلاثة مراحل: مرحلة الإصلاح ورجالاته، ثم مرحلة الطاهر الحداد، ومرحلة "الحداثة" و"العصرنة" التي تمتد من تاريخ الإعلان عن مجلة الأحوال الشخصية إلى يومنا هذا. 1-مرحلة رجال الإصلاح 1-1 رسالة ابن أبي الضياف في المرأة[1] اتفقت أغلب النخب التونسية على أنّ أحمد ابن أبي الضياف هو أحد رموز الفكر الإصلاحي التونسي؛ وأنه وخير الدين باشا منظّرا الإصلاح السياسي في تونس خاصة في ما يتعلق بنظام الحكم حيث انتقدا حكم الإطلاق واعتبراه منافيا للشرع وللعقل، وأنه لا يقود إلا إلى الظلم. وقد اتفق الرجلان على أن تقدّم الغرب يعود إلى طبيعة نظامه السياسي الذي يقوم على الحرية والقانون والمؤسسات الدستورية. أما تأخر البلدان الإسلامية فسببه طبيعة نظمها السياسية التي تقوم على الحكم المطلق مجلبة الفساد وسوء التصرف والظلم. هكذا كان فكر رائدا الإصلاح وهكذا كان تفسيرهما لأسباب تخلف الأمة فما هو نصيب المرأة المسلمة داخل هذه المنظومة الفكرية الإصلاحية التي تدعو للتحرر والإقتداء بالنظام السياسي الغربي والقطع مع الإطلاق في الحكم الذي كان سائدا في عهد ابن أبي الضياف وخير الدين باشا؟  ترك ابن أبي الضياف رسالة حررت في 2 جمادي 1272 الموافق ل 13 فيفري 1856 ميلادي أجاب فيها عن 23 سؤال يتعلق بالمرأة المسلمة في المجتمعات العربية عموما والمجتمع التونسي خاصة. و صورت هذه الرسالة قضية المساوات بين المرأة والرجل وتحرر المرأة وتعليمها إلى جانب الوضع الإجتماعي والأسري المزري في المجتمع التونسي آنذاك وتميزه بدونية المرأة وتعسف الرجل. وقع نشر الرسالة كاملة في حوليات الجامعة التونسية عدد 5 سنة 1968 و قام بتحقيقها والتعليق عليها الأستاذ المنصف الشنوفي. واختلف الباحثون في تحديد شخصية السائل، فبينما ذهب الشنوفي إلى أن السائل هو "ليون روش" القنصل الفرنسي بتونس من سنة 1853 إلى 1863 الذي كانت علاقته بالشأن السياسي التونسي وتدخله فيه كبيرة، فقد رجّح الأستاذ أحمد عبد السلام في مقال له بحوليات الجامعة التونسية (عدد 28 / 1968 ) أن يكون السائل خير الدين التونسي وكان آنذاك بباريس، معتمدا على نص رسالة بعث بها ابن أبي الضياف لهذا الأخير فيها ذكر لها (كتاب "من رسائل ابن أبي الضياف، تتمة لإتحاف أهل الزمان" تحقيق محمد صالح مزالي نشر الدار التونسية للنشر عام 1969، الرسالة رقم 16)؛ وقد أراد خير الدين أن تكون الأجوبة كافية وشافية موافقة للشرع وللعقل، و"مراعية للسياسة الواجب اعتبارها"، ولذلك توجه بأسئلته لأحمد ابن أبي الضياف وليس لغيره لما للرجلين من اتفاق في التفكير، ومقدرة هذا الأخير على التوفيق بين "النصوص الشرعية" و"العلل العقلية ومقتضيات السياسة". و ذهب الأستاذ عبد الحق الزموري في نفس اتجاه أحمد عبد السلام وزاد عليه بالقول: "ليقين خير الدين في قدرة صديقه على تكييف الأجوبة بحسب المرجو منها (المنفعة الآنية المباشرة)" (مراجعات في وعي النهضة تونس القرن 19 أنموذجا؛ الدارالمتوسطية للنشر، 2009)  ينطلق أحمد ابن أبي الضياف في رسالته قائلا" أمّا بعد فإنّ من الواضح المحقق المعلوم، أن شرف النوع الإنساني بالعقل الذي هو آلة العلوم. وفضل العارف لم يزل يشكر ولا يكاد ينكر. ومن المثابرين على تحصيل عيونه على اختلاف أوضاعه وفنونه .الأمة الفرنساوية التي اتضحت في الأقطار آثارها. وتخلدت في الصحف أخبارها. بما يدوم بها افتخارها. حتى أنّ الواحد منهم يدأب على معرفة الشيء وسببه ولو لم ينتفع به. ويرى نفس المعرفة من أدبه. لأن لذة الإنسان إنما هي العرفان. وما سواه من اللذائذ دفع ألم. كما سطر وعلم....". ثم يقول منزلا الرسالة في إطارها "ومصداق ذلك أن بعض أعيانهم ممن خالط المسلمين في البلدان والبوادي، أورد أسئلة لا غرض له إلاّ رفع النقاب عن الكنه والأسباب ومعرفة الشيء من أهله خبر من جهله". وهنا إشارة إلى موقع السائل وموقفه من المجتمعات العربية وأنّ الأسئلة المطروحة أبعد ما يكون عن تقديم ابن أبي الضياف "معرفة الشيء من أهله" ولكن نبرة الإستعلاء المتكررة في الأسئلة تخفي خلفها استهانة وأفكار مسبقة عن دونية حضارة الآخر المسلم العربي أو الشرقي عامة. ويمكننا إدراك هذا من خلال نماذج الأسئلة الواردة:  إنّ غالب النسوة المسلمات لا اشتغال لهن إلا بصقل وجوههن وتزيينها بالكحل والسواك...(السؤال الثامن). عند الإفرنج ان المرأة يرغب فيها لأخلاقها الحميدة وعملها وفضائلها وعند المسلمين يقال إنها لا تحب إلا لجمالها ولشرفها تارة؟ (السؤال الخامس عشر). ينقل عن المسلمين أنهم لا يكرمون جنازة المرأة ولا يجهزونها من تجهيز الرجل؟( السؤال العشرون).  إن المرأة عند اففرنج تأخذ حظها من السرور والتوجع على الوطن......وعند المسلمين لا تتأثر ولا تؤثّر في شيء من هاته الأمور (السؤال الثالث والعشرون). ونورد هنا جواب ابن أبي الضياف على السؤال الثاني في الرسالة والذي يتعلق بأسباب عدم تعلم المرأة العلوم مقارنة بالنسوة الإفرنجيات يقول".....فإذا استقلت بالكتابة (المقصود هنا المرأة المسلمة) وغيرها من ممارسة العلوم ضاع ذلك على الزوج واشتغل قلبها عن زوجها بممارسة العلم فقل أن يجتمع حب العلم وحب غيره في قلب واحد.....فتعلّم المرأة والحالة هذه للعلوم لا يفيدها إلاّ مذمة التشبه بالرجال المكروه عند المسلمين...." .  الغريب هنا أن أحمد ابن الضياف يستشهد لتبرير موقف المسلمين بمقولة نابليون "...فيما عرف من أخبار رجل الدنيا وواجدها عقلا وعلما وشجاعة نبليون الأوّل أنه قال : أكره أن تتشبه المرأة بالرجل والرجل بالمرأة...ومثل هذا القائل الطائر الصيت في الأقاليم لا يكره مستحسنا"... هذا هو المفكر المصلح الذي تولى الوزارة والكتابة في عهد محمد باي (1855-1859) وكان شاهدا على سياسة فرنسا الاستعمارية التي احتلت الجزائر وعقدت العزم على احتلال بقية بلدان المغرب العربي الإسلامي كما أن مديحه لنابليون وانبهاره بشخصه "طائر الصيت في الأقاليم" المقصود هنا حملة بونابرت على مصر .  ويختتم أحمد ابن أبي الضياف رسالته قائلا: "هذا ما حضرني من الجواب. والله الملهم للصواب. والمأمول من كمل الأوصاف (السائل). نظره بعين الإنصاف. فالله يرى أني لم أرتكب فيه ما يقتضيه طبع الحمية. وأزعم أني سلكت الطريقة المرضية (هنا مرضية لمن؟). وما كتبت إلاّ المشاهد في الوجود. والإنصاف في الخليقة موجود......" تكشف الأجوبة التي قدمها ابن أبي الضياف عن رجل محافظ و"متدين تقليدي"، اعتمد في أجوبته على الزاوية الدينية التقليدية والإسلام المعياري فيقول "العقيدة الصحيحة هي إسناد سائر الأمور....." لتبرير واقع المرأة القاتم والمزري. وفي أقصى الحالات كان الوزير الإصلاحي يجيب بالإعتذار لأن هذه المظاهر (عدم تعليم المرأة والتساهل في الطلاق وضرب الزوجة والفراغ الذي تعيشه المرأة في المجتمع العربي الإسلامي) ليست من الشرع بل تمثل انحرافات داخل المجتمع فيقول "ولقد نهى الشرع عن ذلك..." . لم يقدم ابن أبي الضياف أجوبة تعالج واقع المرأة داخل النسق الثقافي الذي يعيشه فكانت الأسئلة تتعمد الإحراج خاصة وأن من يجيب عنها شخصية مثل خير الدين التونسي أو ابن أبي الضياف قد زارا العديد من البلدان الأوربية وشاهدا ما حققته هذه المجتمعات من تقدم في مجال حرية المرأة وقد عبّرا في مجالات عديدة على انبهارهما بما توصل له الغرب من تقدم وتطور،  فكيف يفسّر ابن أبي الضياف "ظاهرة تعدد الزوجات عند المسلمين"؟ يقول: "في طبع الرجال عموما من القوّة والغُلْمة ما لا تكسره امرأة واحدة، لذا أبيح التعدد والتسري. واحتاط الشرع لذلك بشرط العدل". كيف يمكن أن تصدر هذه الأجوبة عن أحد أبرز رواد الإصلاح التونسي؟ هل يمكن لأحمد ابن أبي الضياف وخير الدين التونسي أن يتجاهلا وضعية المرأة ويبرر أحدهما للآخر الظلم والإقصاء التي تتعرض له المرأة المسلمة باسم الدين والشرع "كل أمة لها شرع تلقته من رسولها مؤمنة بأنه وحي من ربه يجب عليها الوقوف معه.....أما الشريعة المحمدية فحكمها عام في كل ما يتعلق بأهلها من عبادات وعادات وعقوبة في الجنايات وغير ذلك، وأن حكامها لا تصرف لهم بالإجتهاد إلا في تطبيق المنصوص في كتب الشريعة على الواقعة الحالية......فلا حكم إلا للشرع فإن فهم العقل سرّه شكر الله وإن عجز عن إدراك السر فحسبه الامتثال والعمل مع اعتقاد أن الله لم يخلق شيئا إلا بحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها..." (رسالة أحمد ابن أبي الضياف في المرأة ص67) ؟  يزداد التعجب والاستغراب خاصة إذا علمنا أن هناك من سبق الوزير المؤرّخ ابن أبي الضياف والمصلح السياسي خير الدين في تناول قضية المرأة التونسية بجرأة كبيرة في ما يتعلق بمسائل تعليم الفتيات وتعدد الزوجات والميراث والحجاب فكتاب "مسامرات قرطاجنة" الصادر بتونس باللغتين العربية والفرنسية سنة 1849 أي قبل 7 سنوات من صدور أجوبة ابن أبي الضياف، اهتم فيه صاحبه، الأب فرانسوا بورغاد (بترجمة الشيخ سليمان الحرايري) بوضعية المرأة النصرانية واليهودية إلى جانب المرأة المسلمة داخل التركيبة الاجتماعية التونسية فكان أكثر جرأة في طرحه من المؤرّخ والوزير بن أبي الضياف، الذي لا يُستبعَدُ إطلاعه على "المسامرات" (بحسب الزموري في المراجعات). فهل يمكن لرواد الإصلاح أن يكونا غير مبالين بمظاهر التخلف والإنحراف الإجتماعي الذي عرفته وضعية العائلة والمرأة في ذلك العصر؟ أم أن في هذا الموضوع بالذات يصنف ابن أبي ضياف سلفيا متدينا مدافعا على إسلام معياري وهو علم من أعلام الفكر النهضوي؟ أم أن الإهتمام بالإصلاح السياسي كان غالبا على الرجلين فهما يعتبران أن نظام الحكم هو الذي يتوقف عليه تقدّم الأمم. أم نتخذ المنحى الذي انتهجته النخب الجامعية التونسية في تبرير محتوى هذه الرسالة، حيث اعتبر الأستاذ محمد القاضي أن أهميتها تكمن في اعتبارها "من أوائل النصوص التي صرفت اهتمامها إلى معالجة قضية المرأة العربية المسلمة.." (مجلة الإتحاف سنة 1996 عدد 67 )؛ كما اعتبر الأستاذ أحمد عبد السلام الأسئلة "من تلقاء أوربا وأجوبتها يجب أن تدرس على أنها تجربة أولى محدودة تندرج في نطاق الخطة الكبرى الخيرية التي يمثلها أكمل تمثيل كتاب أقوم المسالك" ؛ أو ما ذهب إليه البشير بلخوجة في ترجمة ابن أبي الضياف "أما رتبته الفقهية فله اليد البيضاء في العلوم الدينية، حتى أنه كان سيقدّم لرئاسة الفتوى بالمذهب المالكي لمّا توفي شيخه سيدي إبراهيم الرياحي ..."؛ بل إن محقق الرسالة المنصف الشنوفي يقول - متحدثا عن صاحبها - "كان إمام المعقول والمنقول فكان لزاما على الباحث أن يستكشف ما تنطوي عليه هذه الرسالة من اتجاه في الدّفاع عن الإسلام....فعلى هذا الأساس تنير "رسالة في المرأة" ابن أبي الضياف المسلم المتدين من اهل الكتاب وبالأحرى من أهل الذمة.......ولا يمكن تقرير مصير المرأة المسلمة ما لم نعتبر الأغلبية الساحقة من النساء المسلمات في منتصف القرن التاسع عشر...وهو في ردّه لا يتهجم على الحضارة الغربية بل إنه يقرر في اعتدال <<والدّرجة التي="" بلغتها="" الأمم="" الإفرنجية="" بل="" وسائر="" الأمم="" المسيحية="" في="" الحضارة="" والرفه="" اقتضت="" حالتها="" الآن="" ما="" ذكره="" السائل="">>..."(نفس المصدر ص59).  أم نطرح التساؤل كما الأستاذة عائشة بالضياف " هل رجوع ابن أبي الضياف إلى القرآن الكريم والسنة يعدّ موقف رجعي أو إصلاحي؟ ". (مجلة الإتحاف، سنة 1989). الخلاصة أننا نجد أنفسنا أمام فكر إصلاحي لدى خير الدين وابن أبي الضياف تتجاذبه ثلاثة عناصر: انبهار معلن وإعجاب مكبوت بما وصل إليه الغرب من حداثة في المجال السياسي خاصة والثقافي والاجتماعي بدرجة ثانية. عدم القدرة أو انعدام الجرأة على التعامل مع الموروث الثقافي من نصوص وتشريعات وصياغته بشكل جديد يواكب مشاكل العصر.  افتقاد رؤية فكرية وتصور للمسألة الاجتماعية ولوضعية الأسرة عامة و المرأة خاصة. 1-2 المرأة في فكر علماء الزيتونة عرفت البلاد التونسية منذ بداية القرن التاسع عشر بروز الإتجاه المقاصدي والمنزع العقلي في الفكر الديني، وقد بدأ هذا التوجه الإصلاحي يأخذ مكانته من خلال ازدهار الحركة العلمية التي انطلقت مع البايات الحسينيين في نهاية القرن الثامن عشر مع علي بن حسين ( ت1782). وبرز في هذه الفترة عدد من مشايخ الزيتونة محمد بيرم الأول ( ت 1800) و"رسالة في السياسة الشرعية" التي عرّف من « خلالها السياسة الشرعية بأنها "ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصّلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرّسول ولا نزل به الوحي" (بيرم الأول محمد بن حسين، رسالة في السياسة الشرعية. تحقيق محمد صالح العسلي ص21).  ومن هنا يكون النظر إلى الشريعة لا على كونها جملة من النصوص فقط (المنهج التقريري) وإنما على أساس المقصد والمآل (المنهج المقاصدي). وعلى هذا المنوال سار الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الأول ( ت 1868)، الذي كان يردد "لا يعجبني أن أقول هكذا قال الفقهاء، وما يمنعني أن أعلم الدّليل مثل ما عملوه." (إتحاف أهل الزمان ج8، ص12). في هذا المناخ الفكري نشأ عدد من علماء الزيتونة من أمثال سالم بوحاجب الذي كان من مريدي الشيخ الطاهر بن عاشور الأوّل، وبيرم الرابع والشيخ محمد النخلي والشيخ الفقيه إسماعيل التميمي والشيخ محمد السنوسي من أقطاب حركة التجديد في الفكر الإسلامي التونسي خلال القرن التاسع عشر. 1-2-1 الشيخ سالم بوحاجب ولد سالم بو حاجب عام 1827 ببنبلة بالساحل التونسي وتوفي سنة 1924 بضاحية المرسى بتونس العاصمة. يعتبر الشيخ سالم بوحاجب ركنا من أركان النهضة الفكرية والدينية بتونس في التاريخ المعاصر، وقد استهلّ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ترجمته له بالقول "إنّ هذا العَلَمُ شعلة من الذكاء الباهر والعبقرية النادرة طلعت بين قرنين من تاريخ البلاد التونسية فأضاءت مناهج الأدب ونوّرت ربوع العلم وعمرت نوادي الظرف" (أركان النهضة الأدبية بتونس، ص16). وكانت صلة الشيخ بعالم الرياضيات محمود قبادو (1815-1871) وطيدة جدا وقد ألهمته الأفكار الداعية إلى النظر العقلي والانفتاح ورفض التسليم. وانظم الشيخ سالم بوحاجب إلى سلك المدرّسين بالجامعة الزيتونية وهو في العشرين من عمره وكان له تأثير على طلبة الزيتونة وعلى طلائع المدرسة الصادقية ودار المعلمين من أمثال البشير صفر (1865-1917) وعلي بوشوشة (1859-1917) وكانت له علاقة متميزة مع الجنرال حسين (1828-1887). و كان من ألمع تلاميذه الشيخ محمد الخضر حسين الذي قال في خطبة حفل تأبين بالأزهر عندما توفي الشيخ سالم بوحاجب "فهو كان على غير ما كان عليه جمهور المدرّسين في الزيتونة وكان مشجعا على البحث والاجتهاد ويقول "هم رجال ونحن رجال"، والشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي أصدر كتابه "روح التحرر في القرآن" وهاجم فيه المحافظين وانتقد النزعة المذهبية التي مثلت عائقا أمام تقدّم المبحث التشريعي وعزله عن مشاكل المجتمع.  من أهم ما ميز الشيخ سالم بوحاجب هو المراهنة على التربية والتعليم وإدخال العلوم الصحيحة (الرياضيات والعلوم الطبيعية) في برنامج التعليم بجامع الزيتونة (محمد الفاضل بن عاشور ). كما أن الاتجاه المقاصدي كان علامة بارزة في التشريع لدى الشيخ سالم بوحاجب "أنّ عمران الأرض منوط بتدبير الإنسان حيث جعله الله الخليفة فيها وركّب فيع العقل الذي هو الآلة الوحيدة لذلك التدبير" (محمد الطاهر بن عاشور أليس الصبح بقريب، ص103). فالدين جاء "ليعطي الإنسان ما به كمال الإنسان (...) بما أودع في الشريعة من اعتبار المصالح التي تتجدد بتجدد الأزمان والمواقع..." (سالم بوحاجب، ديوان الخطب ص344).  كان هذا هو المنهج الذي يسير عليه سالم بوحاجب في الاجتهادات الفقهية في باب العبادات وفي باب المعاملات.وفي الفتاوى التي أصدرها والتي حقق فيها نظرية المناط في المجال الفقهي والإصلاح الاجتماعي والنضال السياسي. -1-2-2الشيخ محمد النخلي يعدّ الشيخ محمد النخلي القيرواني (1869-1924) أحد شيوخ الزيتونة ذو التوجه الإصلاحي بتونس وعلماَ بارزا من أعلام النهضة الفكرية بتونس. وقد ساهم في إكساب مؤسسة الزيتونة التعليمية أسس جديدة في المعرفة والعلم والنضال الاجتماعي فكان الإنتاج العلمي للشيخ محمد النخلي يقوم على أساسين أولهما إعادة أهمية العالم في المجتمع وتمكين مؤسسة الزيتونة التعليمية من مرجعية جديدة أضاعتها قرون الإنحطاط. كان هذا المعلم يرى أنه لا بد من استيعاب التراث من أجل تجاوز الجمود في الواقع وفتح أبواب المستقبل. فرفع شعار المعرفة مناديا بأنه "لا كلمة أضرّ بالعلم من قول القائل ما ترك الأوّل للآخر شيئا". وتأثر منذ شبابه بأفكار الشيخ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، وكان من مريديهم والداعين لمنهجهم الإصلاحي ودعوتهم لتجديد الفكر الإسلامي، وكان من أبرز تلامذته الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879-1973). دعا الشيخ محمد النخلي إلى تطهير العقيدة الإسلامية ممّا علق بها من خرافات وبدع وفهم النصوص الدينية وتأويلها تأويلا واقعيا، ونبذ الإتباع والجمود. وقد انتقد انتقادا لاذعا البرامج التعليمية المعمول بها في جامع الزيتونة في عصره ودعى إلى تطويره وإدماج العلوم الحديثة كالتاريخ والجغرافيا والإقتصاد والرياضيات، ونادى بضرورة إعمال العقل والإدراك في المناهج التعليمية وإقتباس العلوم الحديثة من البلدان الأوربية.  ترك الشيخ محمد النخلي رسالة في المرأة المسلمة ورغم اختصارها تكاد تكون فريدة من نوعها، حيث ذكر فيها مظاهر عناية الشريعة بالمرأة. ومن خلال هذا العرض المختصر يمكننا الإقرار بالاختلاف في المنهج والمضمون للفكر الإصلاحي لخير الدين وابن أبي الضياف الذي كان يعطي أولوية للإصلاح السياسي "الآني" واعتبار أنّ نظام الحكم هو الذي يتوقف عليه تقدّم الأمم ورقيها. والمنهج الإصلاحي لعلماء الزيتونة الذي يتفق حوله سالم بوحاجب ومحمد النخلي والشيح الطاهر بن عاشور مع الشيخ محمد عبده ورشيد رضا في الأطروحة التي تقوم على أن المعالجة السياسية للأوضاع في العالم الإسلامي لا تؤدي إلى نتيجة بالنظر إلى شدة تأخّر الوعي الجمعي وبالنسبة إلى مقتضيات الزمان، وبالنظر إلى الاختلال الكامل في ميزان القوى بين أوربا والبلاد الإسلامية. لذلك اعتبرت النخبة الإصلاحية الزيتونية الإصلاح القطاعي الذي يولي التربية والفكر الأولوية المطلقة هو البديل عن الخطاب "الثوري الشامل" خاصة بعد فشل الإحتجاج الجماعي الذي حصل سنة 1884. (من مقال للدكتور احميدة النيفر: الشيخ محمد النخلي العالم الشاهد).  2-مرحلة: الطاهر الحداد 1899-1935 يمثل الطاهر الحداد الحلقة الناظمة في التسلسل التاريخي للفكر الإصلاحي، فقد كان انشغاله بالصراع السياسي ضد الإستعمار الفرنسي وانخراطه في النضال الإجتماعي ميزة جعلته يختلف عن مفكري الإصلاح في عصره. كان الطاهر الحداد من أبرز مؤيدي الحركة العمالية بقيادة محمد علي الحامي، إضافة إلى أنه يُعتَبَرُ المصلح الإجتماعي الوحيد الذي لم يسافر إلى أوربا ولم ينبهر بحداثتها ولم يكن الفكر الغربي له تأثير على توجهاته الفكرية، مقارنة بقاسم أمين ورفاعة الطهطاوي وغيرهما. كما أن تكوينه الزيتوني وتأثره برجال الإصلاح بالجامعة الزيتونية آنذاك جعل فكره امتدادا لفكر علماء الإصلاح الزيتونيين لكنه كان أكثر جرأة منهم في تنزيل تلك الأفكار الإصلاحية إلى الواقع وتطبيقها على قضايا المجتمع. وقال عنه طه حسين "لقد سبق هذا الفتى زمنه بقرنين". جمع الحداد بين المفكر الإصلاحي والمناضل السياسي الوطني الغيور، فقد انخرط في النضال ضد المستعمر وكان أحد مؤسسي الحزب الحر الدستوري سنة 1920 إلى جانب الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي كلّفه بالدعاية والإعلام للحزب. ثم اتخذ موقفا من مواصلة المسيرة مع من سماها "زمرة حادت عن المبادئ الأولى للدستور".  ثم كان العضد الأيمن والرأس المفكر لمحمد علي الحامي، فأسس معه جامعة عموم العملة التونسية سنة 1924 وأرّخ للحركة العمالية في كتابه "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية" سنة 1927 ، وقد وقعت مصادرته من طرف سلطات الاستعمار لما احتواه الكتاب من أفكار تنير البلاد وعقول العباد. يعتبر الطاهر الحدّاد من الأوائل الذين انطلقوا من عملية معاينة وتشخيص للوضع المتردي في المجتمع التونسي ووضع المرأة المزري فكانت أفكاره نقلة نوعية في الوعي السياسي والإصلاح الاجتماعي لما احتواه كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" من جرأة في الطرح وشجاعة في المواقف. يرى الطاهر الحداد أن الإصلاح لا يقوم بغير الصلاح: صلاح الناس والأفكار...فدعى في كتاباته لإصلاح الأسرة والعائلة وتحرير المرأة. كان الطاهر الحداد متقدما على عصره ومتميزا في طرحه عن المفكرين الإصلاحيين الذين سبقوه في المجال السياسي والفكري والاجتماعي بالخصوص في موضوعين هامين قضية العمال وقضية المرأة والمناداة بتحريرها.  ويمكن أن نلخّص أفكار الطاهر الحداد المتعلقة بوضعية المرأة في النقاط التالية: 1- تقدّم المجتمع مرتبط بتقدّم المرأة وتحرّرها من الجهل، وقد عبّر عن ذلك بقوله "نهضة المرأة هي نهضتنا جميعا". 2- إعتبر أنّ مقاصد الشريعة أهم من الإجتهادات التي تتغير بتغير الأزمنة مثل أحكام العبيد والإماء وتعدد الزوجات. 3-ضرورة معرفة أحكام الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول، وملاءمة الفقه النسائي مع الظروف التاريخية وتغيّرها. ينقسم كتاب الحداد "إمرأتنا في الشريعة والمجتمع إلى قسمين: القسم الأول: تشريعي يهتم يالمرأة في الشريعة الإسلامية القسم الثاني: توصيف ومعاينة واقع المرأة في المجتمع التونسي في القرن نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن الماضي (العشرين). وأكّد الحداد في كتابه على ضرورة تغيير العقليات والمعتقدات السائدة حتى يقبل المجتمع بتغيير وضعية المرأة. وانطلق الحداد من الإسلام وقيمه الثابتة ومقاصد الشريعة الإسلامية ليبين أنّ الظلم والقهر والتسلّط التي تعاني منه المرأة في المجتمع ليس ناتجا عن الدين والنصوص التي أنزلها الله في كتابه وأقرّها الرسول عليه الصلاة والسلام قولا وفعلا، وإنما هو من فعل المسلمين والفقهاء الذين أوّلوا الدين وقرؤوا النص حسب مصالحهم الذكورية وظروفهم التاريخية والاجتماعية. واعتبر الحداد اختلاف المذاهب الفقهية وتعدد تفسير الأحكام حول قضايا عديدة تخص المرأة دليل على أنها اجتهادات بشرية وليست أحكام إلهية قاطعة. وهو إلى جانب حرصه على ضرورة إصلاح وضع المرأة والنهوض بها كان أكثر حرصا على سلامة الأسرة كقيمة إجتماعية ثابتة والدعوة لإنشاء روابط زوجية متكافئة تضمن جوّا مناسبا لتكوين مجتمع سليم وبيئة ملائمة لإنشاء أجيال تحقق نهضة الأمة وتقدمها.  كانت ردّة فعل تيار الفقهاء والمشايخ المحافظين داخل الزيتونة غاضبة ورافضة لأفكار الطاهر الحداد، لأنها تمس بشكل مباشر مصالحهم الذكورية التي تحميها البنى التقليدية الموروثة وتضمن استمرار امتيازاتهم الأبوية داخل تركيبة المجتمع، فنجد أن هؤلاء المشايخ يقدّمون غطاء القداسة الدينية لتبرير تسلّطهم على المرأة، ما جعلهم يشنون حربا على الطاهر الحدّاد متّهمينه بالكفر والزندقة وأخرجوه من الملّة. الخلاصة: نحن أمام حركة إصلاح في تاريخ تونس المعاصر تنقسم إلى مدرستين تختلفان في المنهج الإصلاحي والمرجعية الفكرية.  1-مدرسة الإصلاح السياسي مع خير الدين وابن أبي الضياف يتجاذبها الإنبهار بالحداثة الغربية وغياب التصور الفكري والأسس المرجعية في التعامل مع النص الديني في مسألة المرأة والأسرة والإفراط في تقديم إصلاح الشأن السياسي على الإصلاح في المجال الإجتماعي والثقافي. 2-مدرسة الإصلاح الزيتوني التي تعتبر امتدادا لحركة النهضة الفكرية الإسلامية التي يتزعمها جمال الدين الأفغاني وورثها تلميذه محمد عبده ثم رشيد رضا في الأطروحة التي تقوم على "أن المعالجة السياسية للأوضاع في العالم الإسلامي لا تؤدي إلى نتيجة بالنظر إلى شدة تأخّر الوعي الجمعي وبالنسبة إلى مقتضيات الزمان، وبالنظر إلى الاختلال الكامل في ميزان القوى بين أوربا والبلاد الإسلامية مما جعل الجانب السياسي والنضالي يكون على هامش الهمّ الفكري والنظري.  3- وأخيرا حلقة ناظمة بين المدرستين يمثلها الطاهر الحداد فكرا ومنهجا في صيرورة نضالية فكرية وإجتماعية تستمد شرعيتها من معاينة واقعية وأسس فكرية عجز الآخرون عن تنزيلها على مشاكل المجتمع التونسي فتحمّل الطاهر الحداد بجرأته تبعات الاصداع بما كان يراود شيوخه سرّا ، وأكبر دليل على ذلك معارضة الشيخ بن مراد العلنية لأفكار الحداد، ومسارعته لدفع ابنته بشيرة بن مراد إلى ممارسة ما كان يجاهر به الطاهر الحداد وينادي به في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع". وهكذا فعل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور والعديد من أعلام الزيتونة الذين حررهم الطاهر الحداد من خوفهم بعد أن امتصّ رفض المجتمع وغضب رجال الفكر التقليدي المحافظ.  (يتبع)

عائدة بنكريم المسلّمي - تونس - " وكالة أخبار المرأة " 

شهدت تونس ما بعد الثورة سجالا إيديولوجيا بارزا بين خطاب حداثي في قطيعة مع أصوله الثقافية تختفي خلفه مجموعة من النخب والسياسيين ما جعله مشروعا نخبويا بالأساس، وخطاب تقليدي وهو الأكثر شيوعا بين العامة لبساطته وقربه من التكوين الذهني والنفسي لفئات عديدة من المجتمع، وأخيرا خطاب إصلاحي، وهو الحلقة الجامعة بين الخطابين السابقين، ويُعرَّفُ على أنه تطوير خطاب التقليد وتأصيل خطاب التحديث.

ويندرج هذا البحث ضمن اهتمامنا بموضوعة المرأة باعتباره مساهمة في تحليل مدى اهتمام الفكر الإصلاحي التونسي بالمرأة ومساهمته الحقيقية في تحررها، ثمّ دور النخب الحداثية في عملية "عصرنة" المرأة وحداثتها. وسيوصلنا ذلك إلى مستوى ثان يتطلب الإجابة عن سؤال مفصلي، خاصة في هذه المرحلة التي أصبحت فيها موضوعة المرأة وتحرّرها والمكتسبات التي حققتها في المجال التشريعي والقانوني والإجتماعي مادة لنقاشات تستبطن خلفيات إيديولوجية وسياسية، ينطلق فيها الجميع من مجلة الأحوال الشخصية باعتبارها لحظة "التكريس" كما يسميها فرج بن رمضان لمكتسبات المرأة التونسية. السؤال هنا هل صحيح ما ذهب إليه العديد من الباحثين والنخب من أن مجلة الأحوال الشخصية هي استجابة لمطالب رجال الإصلاح وطموحاتهم في التحرير؟ أم انّ هناك حيثيات أخرى ودوافع سياسية آنية جعلت من إستصدار هذه المجلة في تلك المرحلة عملية إستباقية لقطع الطريق أمام الإمكانيات المحتملة لظهور حركات وقيادات تحررية خارج المنظومة البورقيبية ذات التوجه الأحادي في القيادة والزعامة.

هدفنا في هذا الجزء الأول التعريف ببعض جوانب مسارات تحرر المرأة التونسية التي يمكن أن نقسّمها إلى ثلاثة مراحل: مرحلة الإصلاح ورجالاته، ثم مرحلة الطاهر الحداد، ومرحلة "الحداثة" و"العصرنة" التي تمتد من تاريخ الإعلان عن مجلة الأحوال الشخصية إلى يومنا هذا.

1-مرحلة رجال الإصلاح

1-1 رسالة ابن أبي الضياف في المرأة[1]

اتفقت أغلب النخب التونسية على أنّ أحمد ابن أبي الضياف هو أحد رموز الفكر الإصلاحي التونسي؛ وأنه وخير الدين باشا منظّرا الإصلاح السياسي في تونس خاصة في ما يتعلق بنظام الحكم حيث انتقدا حكم الإطلاق واعتبراه منافيا للشرع وللعقل، وأنه لا يقود إلا إلى الظلم. وقد اتفق الرجلان على أن تقدّم الغرب يعود إلى طبيعة نظامه السياسي الذي يقوم على الحرية والقانون والمؤسسات الدستورية. أما تأخر البلدان الإسلامية فسببه طبيعة نظمها السياسية التي تقوم على الحكم المطلق مجلبة الفساد وسوء التصرف والظلم. هكذا كان فكر رائدا الإصلاح وهكذا كان تفسيرهما لأسباب تخلف الأمة فما هو نصيب المرأة المسلمة داخل هذه المنظومة الفكرية الإصلاحية التي تدعو للتحرر والإقتداء بالنظام السياسي الغربي والقطع مع الإطلاق في الحكم الذي كان سائدا في عهد ابن أبي الضياف وخير الدين باشا؟

ترك ابن أبي الضياف رسالة حررت في 2 جمادي 1272 الموافق ل 13 فيفري 1856 ميلادي أجاب فيها عن 23 سؤال يتعلق بالمرأة المسلمة في المجتمعات العربية عموما والمجتمع التونسي خاصة. و صورت هذه الرسالة قضية المساوات بين المرأة والرجل وتحرر المرأة وتعليمها إلى جانب الوضع الإجتماعي والأسري المزري في المجتمع التونسي آنذاك وتميزه بدونية المرأة وتعسف الرجل. وقع نشر الرسالة كاملة في حوليات الجامعة التونسية عدد 5 سنة 1968 و قام بتحقيقها والتعليق عليها الأستاذ المنصف الشنوفي. واختلف الباحثون في تحديد شخصية السائل، فبينما ذهب الشنوفي إلى أن السائل هو "ليون روش" القنصل الفرنسي بتونس من سنة 1853 إلى 1863 الذي كانت علاقته بالشأن السياسي التونسي وتدخله فيه كبيرة، فقد رجّح الأستاذ أحمد عبد السلام في مقال له بحوليات الجامعة التونسية (عدد 28 / 1968 ) أن يكون السائل خير الدين التونسي وكان آنذاك بباريس، معتمدا على نص رسالة بعث بها ابن أبي الضياف لهذا الأخير فيها ذكر لها (كتاب "من رسائل ابن أبي الضياف، تتمة لإتحاف أهل الزمان" تحقيق محمد صالح مزالي نشر الدار التونسية للنشر عام 1969، الرسالة رقم 16)؛ وقد أراد خير الدين أن تكون الأجوبة كافية وشافية موافقة للشرع وللعقل، و"مراعية للسياسة الواجب اعتبارها"، ولذلك توجه بأسئلته لأحمد ابن أبي الضياف وليس لغيره لما للرجلين من اتفاق في التفكير، ومقدرة هذا الأخير على التوفيق بين "النصوص الشرعية" و"العلل العقلية ومقتضيات السياسة". و ذهب الأستاذ عبد الحق الزموري في نفس اتجاه أحمد عبد السلام وزاد عليه بالقول: "ليقين خير الدين في قدرة صديقه على تكييف الأجوبة بحسب المرجو منها (المنفعة الآنية المباشرة)" (مراجعات في وعي النهضة تونس القرن 19 أنموذجا؛ الدارالمتوسطية للنشر، 2009)

ينطلق أحمد ابن أبي الضياف في رسالته قائلا" أمّا بعد فإنّ من الواضح المحقق المعلوم، أن شرف النوع الإنساني بالعقل الذي هو آلة العلوم. وفضل العارف لم يزل يشكر ولا يكاد ينكر. ومن المثابرين على تحصيل عيونه على اختلاف أوضاعه وفنونه .الأمة الفرنساوية التي اتضحت في الأقطار آثارها. وتخلدت في الصحف أخبارها. بما يدوم بها افتخارها. حتى أنّ الواحد منهم يدأب على معرفة الشيء وسببه ولو لم ينتفع به. ويرى نفس المعرفة من أدبه. لأن لذة الإنسان إنما هي العرفان. وما سواه من اللذائذ دفع ألم. كما سطر وعلم....".

ثم يقول منزلا الرسالة في إطارها "ومصداق ذلك أن بعض أعيانهم ممن خالط المسلمين في البلدان والبوادي، أورد أسئلة لا غرض له إلاّ رفع النقاب عن الكنه والأسباب ومعرفة الشيء من أهله خبر من جهله". وهنا إشارة إلى موقع السائل وموقفه من المجتمعات العربية وأنّ الأسئلة المطروحة أبعد ما يكون عن تقديم ابن أبي الضياف "معرفة الشيء من أهله" ولكن نبرة الإستعلاء المتكررة في الأسئلة تخفي خلفها استهانة وأفكار مسبقة عن دونية حضارة الآخر المسلم العربي أو الشرقي عامة. ويمكننا إدراك هذا من خلال نماذج الأسئلة الواردة:

إنّ غالب النسوة المسلمات لا اشتغال لهن إلا بصقل وجوههن وتزيينها بالكحل والسواك...(السؤال الثامن).
عند الإفرنج ان المرأة يرغب فيها لأخلاقها الحميدة وعملها وفضائلها وعند المسلمين يقال إنها لا تحب إلا لجمالها ولشرفها تارة؟ (السؤال الخامس عشر).

ينقل عن المسلمين أنهم لا يكرمون جنازة المرأة ولا يجهزونها من تجهيز الرجل؟( السؤال العشرون).

إن المرأة عند اففرنج تأخذ حظها من السرور والتوجع على الوطن......وعند المسلمين لا تتأثر ولا تؤثّر في شيء من هاته الأمور (السؤال الثالث والعشرون).

ونورد هنا جواب ابن أبي الضياف على السؤال الثاني في الرسالة والذي يتعلق بأسباب عدم تعلم المرأة العلوم مقارنة بالنسوة الإفرنجيات يقول".....فإذا استقلت بالكتابة (المقصود هنا المرأة المسلمة) وغيرها من ممارسة العلوم ضاع ذلك على الزوج واشتغل قلبها عن زوجها بممارسة العلم فقل أن يجتمع حب العلم وحب غيره في قلب واحد.....فتعلّم المرأة والحالة هذه للعلوم لا يفيدها إلاّ مذمة التشبه بالرجال المكروه عند المسلمين...." .

الغريب هنا أن أحمد ابن الضياف يستشهد لتبرير موقف المسلمين بمقولة نابليون "...فيما عرف من أخبار رجل الدنيا وواجدها عقلا وعلما وشجاعة نبليون الأوّل أنه قال : أكره أن تتشبه المرأة بالرجل والرجل بالمرأة...ومثل هذا القائل الطائر الصيت في الأقاليم لا يكره مستحسنا"... هذا هو المفكر المصلح الذي تولى الوزارة والكتابة في عهد محمد باي (1855-1859) وكان شاهدا على سياسة فرنسا الاستعمارية التي احتلت الجزائر وعقدت العزم على احتلال بقية بلدان المغرب العربي الإسلامي كما أن مديحه لنابليون وانبهاره بشخصه "طائر الصيت في الأقاليم" المقصود هنا حملة بونابرت على مصر .

ويختتم أحمد ابن أبي الضياف رسالته قائلا: "هذا ما حضرني من الجواب. والله الملهم للصواب. والمأمول من كمل الأوصاف (السائل). نظره بعين الإنصاف. فالله يرى أني لم أرتكب فيه ما يقتضيه طبع الحمية. وأزعم أني سلكت الطريقة المرضية (هنا مرضية لمن؟). وما كتبت إلاّ المشاهد في الوجود. والإنصاف في الخليقة موجود......"

تكشف الأجوبة التي قدمها ابن أبي الضياف عن رجل محافظ و"متدين تقليدي"، اعتمد في أجوبته على الزاوية الدينية التقليدية والإسلام المعياري فيقول "العقيدة الصحيحة هي إسناد سائر الأمور....." لتبرير واقع المرأة القاتم والمزري. وفي أقصى الحالات كان الوزير الإصلاحي يجيب بالإعتذار لأن هذه المظاهر (عدم تعليم المرأة والتساهل في الطلاق وضرب الزوجة والفراغ الذي تعيشه المرأة في المجتمع العربي الإسلامي) ليست من الشرع بل تمثل انحرافات داخل المجتمع فيقول "ولقد نهى الشرع عن ذلك..." . لم يقدم ابن أبي الضياف أجوبة تعالج واقع المرأة داخل النسق الثقافي الذي يعيشه فكانت الأسئلة تتعمد الإحراج خاصة وأن من يجيب عنها شخصية مثل خير الدين التونسي أو ابن أبي الضياف قد زارا العديد من البلدان الأوربية وشاهدا ما حققته هذه المجتمعات من تقدم في مجال حرية المرأة وقد عبّرا في مجالات عديدة على انبهارهما بما توصل له الغرب من تقدم وتطور،

فكيف يفسّر ابن أبي الضياف "ظاهرة تعدد الزوجات عند المسلمين"؟ يقول: "في طبع الرجال عموما من القوّة والغُلْمة ما لا تكسره امرأة واحدة، لذا أبيح التعدد والتسري. واحتاط الشرع لذلك بشرط العدل".

كيف يمكن أن تصدر هذه الأجوبة عن أحد أبرز رواد الإصلاح التونسي؟ هل يمكن لأحمد ابن أبي الضياف وخير الدين التونسي أن يتجاهلا وضعية المرأة ويبرر أحدهما للآخر الظلم والإقصاء التي تتعرض له المرأة المسلمة باسم الدين والشرع "كل أمة لها شرع تلقته من رسولها مؤمنة بأنه وحي من ربه يجب عليها الوقوف معه.....أما الشريعة المحمدية فحكمها عام في كل ما يتعلق بأهلها من عبادات وعادات وعقوبة في الجنايات وغير ذلك، وأن حكامها لا تصرف لهم بالإجتهاد إلا في تطبيق المنصوص في كتب الشريعة على الواقعة الحالية......فلا حكم إلا للشرع فإن فهم العقل سرّه شكر الله وإن عجز عن إدراك السر فحسبه الامتثال والعمل مع اعتقاد أن الله لم يخلق شيئا إلا بحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها..." (رسالة أحمد ابن أبي الضياف في المرأة ص67) ؟

يزداد التعجب والاستغراب خاصة إذا علمنا أن هناك من سبق الوزير المؤرّخ ابن أبي الضياف والمصلح السياسي خير الدين في تناول قضية المرأة التونسية بجرأة كبيرة في ما يتعلق بمسائل تعليم الفتيات وتعدد الزوجات والميراث والحجاب فكتاب "مسامرات قرطاجنة" الصادر بتونس باللغتين العربية والفرنسية سنة 1849 أي قبل 7 سنوات من صدور أجوبة ابن أبي الضياف، اهتم فيه صاحبه، الأب فرانسوا بورغاد (بترجمة الشيخ سليمان الحرايري) بوضعية المرأة النصرانية واليهودية إلى جانب المرأة المسلمة داخل التركيبة الاجتماعية التونسية فكان أكثر جرأة في طرحه من المؤرّخ والوزير بن أبي الضياف، الذي لا يُستبعَدُ إطلاعه على "المسامرات" (بحسب الزموري في المراجعات). فهل يمكن لرواد الإصلاح أن يكونا غير مبالين بمظاهر التخلف والإنحراف الإجتماعي الذي عرفته وضعية العائلة والمرأة في ذلك العصر؟ أم أن في هذا الموضوع بالذات يصنف ابن أبي ضياف سلفيا متدينا مدافعا على إسلام معياري وهو علم من أعلام الفكر النهضوي؟ أم أن الإهتمام بالإصلاح السياسي كان غالبا على الرجلين فهما يعتبران أن نظام الحكم هو الذي يتوقف عليه تقدّم الأمم. أم نتخذ المنحى الذي انتهجته النخب الجامعية التونسية في تبرير محتوى هذه الرسالة، حيث اعتبر الأستاذ محمد القاضي أن أهميتها تكمن في اعتبارها "من أوائل النصوص التي صرفت اهتمامها إلى معالجة قضية المرأة العربية المسلمة.." (مجلة الإتحاف سنة 1996 عدد 67 )؛ كما اعتبر الأستاذ أحمد عبد السلام الأسئلة "من تلقاء أوربا وأجوبتها يجب أن تدرس على أنها تجربة أولى محدودة تندرج في نطاق الخطة الكبرى الخيرية التي يمثلها أكمل تمثيل كتاب أقوم المسالك" ؛ أو ما ذهب إليه البشير بلخوجة في ترجمة ابن أبي الضياف "أما رتبته الفقهية فله اليد البيضاء في العلوم الدينية، حتى أنه كان سيقدّم لرئاسة الفتوى بالمذهب المالكي لمّا توفي شيخه سيدي إبراهيم الرياحي ..."؛ بل إن محقق الرسالة المنصف الشنوفي يقول - متحدثا عن صاحبها - "كان إمام المعقول والمنقول فكان لزاما على الباحث أن يستكشف ما تنطوي عليه هذه الرسالة من اتجاه في الدّفاع عن الإسلام....فعلى هذا الأساس تنير "رسالة في المرأة" ابن أبي الضياف المسلم المتدين من اهل الكتاب وبالأحرى من أهل الذمة.......ولا يمكن تقرير مصير المرأة المسلمة ما لم نعتبر الأغلبية الساحقة من النساء المسلمات في منتصف القرن التاسع عشر...وهو في ردّه لا يتهجم على الحضارة الغربية بل إنه يقرر في اعتدال <<والدّرجة التي="" بلغتها="" الأمم="" الإفرنجية="" بل="" وسائر="" الأمم="" المسيحية="" في="" الحضارة="" والرفه="" اقتضت="" حالتها="" الآن="" ما="" ذكره="" السائل="">>..."(نفس المصدر ص59).

أم نطرح التساؤل كما الأستاذة عائشة بالضياف " هل رجوع ابن أبي الضياف إلى القرآن الكريم والسنة يعدّ موقف رجعي أو إصلاحي؟ ". (مجلة الإتحاف، سنة 1989).
الخلاصة أننا نجد أنفسنا أمام فكر إصلاحي لدى خير الدين وابن أبي الضياف تتجاذبه ثلاثة عناصر:
انبهار معلن وإعجاب مكبوت بما وصل إليه الغرب من حداثة في المجال السياسي خاصة والثقافي والاجتماعي بدرجة ثانية.

عدم القدرة أو انعدام الجرأة على التعامل مع الموروث الثقافي من نصوص وتشريعات وصياغته بشكل جديد يواكب مشاكل العصر.

افتقاد رؤية فكرية وتصور للمسألة الاجتماعية ولوضعية الأسرة عامة و المرأة خاصة.

1-2 المرأة في فكر علماء الزيتونة

عرفت البلاد التونسية منذ بداية القرن التاسع عشر بروز الإتجاه المقاصدي والمنزع العقلي في الفكر الديني، وقد بدأ هذا التوجه الإصلاحي يأخذ مكانته من خلال ازدهار الحركة العلمية التي انطلقت مع البايات الحسينيين في نهاية القرن الثامن عشر مع علي بن حسين ( ت1782). وبرز في هذه الفترة عدد من مشايخ الزيتونة محمد بيرم الأول ( ت 1800) و"رسالة في السياسة الشرعية" التي عرّف من « خلالها السياسة الشرعية بأنها "ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصّلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرّسول ولا نزل به الوحي" (بيرم الأول محمد بن حسين، رسالة في السياسة الشرعية. تحقيق محمد صالح العسلي ص21).

ومن هنا يكون النظر إلى الشريعة لا على كونها جملة من النصوص فقط (المنهج التقريري) وإنما على أساس المقصد والمآل (المنهج المقاصدي). وعلى هذا المنوال سار الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الأول ( ت 1868)، الذي كان يردد "لا يعجبني أن أقول هكذا قال الفقهاء، وما يمنعني أن أعلم الدّليل مثل ما عملوه." (إتحاف أهل الزمان ج8، ص12). في هذا المناخ الفكري نشأ عدد من علماء الزيتونة من أمثال سالم بوحاجب الذي كان من مريدي الشيخ الطاهر بن عاشور الأوّل، وبيرم الرابع والشيخ محمد النخلي والشيخ الفقيه إسماعيل التميمي والشيخ محمد السنوسي من أقطاب حركة التجديد في الفكر الإسلامي التونسي خلال القرن التاسع عشر.

1-2-1 الشيخ سالم بوحاجب

ولد سالم بو حاجب عام 1827 ببنبلة بالساحل التونسي وتوفي سنة 1924 بضاحية المرسى بتونس العاصمة.

يعتبر الشيخ سالم بوحاجب ركنا من أركان النهضة الفكرية والدينية بتونس في التاريخ المعاصر، وقد استهلّ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ترجمته له بالقول "إنّ هذا العَلَمُ شعلة من الذكاء الباهر والعبقرية النادرة طلعت بين قرنين من تاريخ البلاد التونسية فأضاءت مناهج الأدب ونوّرت ربوع العلم وعمرت نوادي الظرف" (أركان النهضة الأدبية بتونس، ص16). وكانت صلة الشيخ بعالم الرياضيات محمود قبادو (1815-1871) وطيدة جدا وقد ألهمته الأفكار الداعية إلى النظر العقلي والانفتاح ورفض التسليم. وانظم الشيخ سالم بوحاجب إلى سلك المدرّسين بالجامعة الزيتونية وهو في العشرين من عمره وكان له تأثير على طلبة الزيتونة وعلى طلائع المدرسة الصادقية ودار المعلمين من أمثال البشير صفر (1865-1917) وعلي بوشوشة (1859-1917) وكانت له علاقة متميزة مع الجنرال حسين (1828-1887). و كان من ألمع تلاميذه الشيخ محمد الخضر حسين الذي قال في خطبة حفل تأبين بالأزهر عندما توفي الشيخ سالم بوحاجب "فهو كان على غير ما كان عليه جمهور المدرّسين في الزيتونة وكان مشجعا على البحث والاجتهاد ويقول "هم رجال ونحن رجال"، والشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي أصدر كتابه "روح التحرر في القرآن" وهاجم فيه المحافظين وانتقد النزعة المذهبية التي مثلت عائقا أمام تقدّم المبحث التشريعي وعزله عن مشاكل المجتمع.

من أهم ما ميز الشيخ سالم بوحاجب هو المراهنة على التربية والتعليم وإدخال العلوم الصحيحة (الرياضيات والعلوم الطبيعية) في برنامج التعليم بجامع الزيتونة (محمد الفاضل بن عاشور ). كما أن الاتجاه المقاصدي كان علامة بارزة في التشريع لدى الشيخ سالم بوحاجب "أنّ عمران الأرض منوط بتدبير الإنسان حيث جعله الله الخليفة فيها وركّب فيع العقل الذي هو الآلة الوحيدة لذلك التدبير" (محمد الطاهر بن عاشور أليس الصبح بقريب، ص103). فالدين جاء "ليعطي الإنسان ما به كمال الإنسان (...) بما أودع في الشريعة من اعتبار المصالح التي تتجدد بتجدد الأزمان والمواقع..." (سالم بوحاجب، ديوان الخطب ص344).

كان هذا هو المنهج الذي يسير عليه سالم بوحاجب في الاجتهادات الفقهية في باب العبادات وفي باب المعاملات.وفي الفتاوى التي أصدرها والتي حقق فيها نظرية المناط في المجال الفقهي والإصلاح الاجتماعي والنضال السياسي.

-1-2-2الشيخ محمد النخلي

يعدّ الشيخ محمد النخلي القيرواني (1869-1924) أحد شيوخ الزيتونة ذو التوجه الإصلاحي بتونس وعلماَ بارزا من أعلام النهضة الفكرية بتونس. وقد ساهم في إكساب مؤسسة الزيتونة التعليمية أسس جديدة في المعرفة والعلم والنضال الاجتماعي فكان الإنتاج العلمي للشيخ محمد النخلي يقوم على أساسين أولهما إعادة أهمية العالم في المجتمع وتمكين مؤسسة الزيتونة التعليمية من مرجعية جديدة أضاعتها قرون الإنحطاط. كان هذا المعلم يرى أنه لا بد من استيعاب التراث من أجل تجاوز الجمود في الواقع وفتح أبواب المستقبل. فرفع شعار المعرفة مناديا بأنه "لا كلمة أضرّ بالعلم من قول القائل ما ترك الأوّل للآخر شيئا". وتأثر منذ شبابه بأفكار الشيخ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، وكان من مريديهم والداعين لمنهجهم الإصلاحي ودعوتهم لتجديد الفكر الإسلامي، وكان من أبرز تلامذته الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879-1973). دعا الشيخ محمد النخلي إلى تطهير العقيدة الإسلامية ممّا علق بها من خرافات وبدع وفهم النصوص الدينية وتأويلها تأويلا واقعيا، ونبذ الإتباع والجمود. وقد انتقد انتقادا لاذعا البرامج التعليمية المعمول بها في جامع الزيتونة في عصره ودعى إلى تطويره وإدماج العلوم الحديثة كالتاريخ والجغرافيا والإقتصاد والرياضيات، ونادى بضرورة إعمال العقل والإدراك في المناهج التعليمية وإقتباس العلوم الحديثة من البلدان الأوربية.

ترك الشيخ محمد النخلي رسالة في المرأة المسلمة ورغم اختصارها تكاد تكون فريدة من نوعها، حيث ذكر فيها مظاهر عناية الشريعة بالمرأة.

ومن خلال هذا العرض المختصر يمكننا الإقرار بالاختلاف في المنهج والمضمون للفكر الإصلاحي لخير الدين وابن أبي الضياف الذي كان يعطي أولوية للإصلاح السياسي "الآني" واعتبار أنّ نظام الحكم هو الذي يتوقف عليه تقدّم الأمم ورقيها. والمنهج الإصلاحي لعلماء الزيتونة الذي يتفق حوله سالم بوحاجب ومحمد النخلي والشيح الطاهر بن عاشور مع الشيخ محمد عبده ورشيد رضا في الأطروحة التي تقوم على أن المعالجة السياسية للأوضاع في العالم الإسلامي لا تؤدي إلى نتيجة بالنظر إلى شدة تأخّر الوعي الجمعي وبالنسبة إلى مقتضيات الزمان، وبالنظر إلى الاختلال الكامل في ميزان القوى بين أوربا والبلاد الإسلامية. لذلك اعتبرت النخبة الإصلاحية الزيتونية الإصلاح القطاعي الذي يولي التربية والفكر الأولوية المطلقة هو البديل عن الخطاب "الثوري الشامل" خاصة بعد فشل الإحتجاج الجماعي الذي حصل سنة 1884. (من مقال للدكتور احميدة النيفر: الشيخ محمد النخلي العالم الشاهد).

2-مرحلة: الطاهر الحداد 1899-1935

يمثل الطاهر الحداد الحلقة الناظمة في التسلسل التاريخي للفكر الإصلاحي، فقد كان انشغاله بالصراع السياسي ضد الإستعمار الفرنسي وانخراطه في النضال الإجتماعي ميزة جعلته يختلف عن مفكري الإصلاح في عصره. كان الطاهر الحداد من أبرز مؤيدي الحركة العمالية بقيادة محمد علي الحامي، إضافة إلى أنه يُعتَبَرُ المصلح الإجتماعي الوحيد الذي لم يسافر إلى أوربا ولم ينبهر بحداثتها ولم يكن الفكر الغربي له تأثير على توجهاته الفكرية، مقارنة بقاسم أمين ورفاعة الطهطاوي وغيرهما. كما أن تكوينه الزيتوني وتأثره برجال الإصلاح بالجامعة الزيتونية آنذاك جعل فكره امتدادا لفكر علماء الإصلاح الزيتونيين لكنه كان أكثر جرأة منهم في تنزيل تلك الأفكار الإصلاحية إلى الواقع وتطبيقها على قضايا المجتمع. وقال عنه طه حسين "لقد سبق هذا الفتى زمنه بقرنين".

جمع الحداد بين المفكر الإصلاحي والمناضل السياسي الوطني الغيور، فقد انخرط في النضال ضد المستعمر وكان أحد مؤسسي الحزب الحر الدستوري سنة 1920 إلى جانب الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي كلّفه بالدعاية والإعلام للحزب. ثم اتخذ موقفا من مواصلة المسيرة مع من سماها "زمرة حادت عن المبادئ الأولى للدستور".

ثم كان العضد الأيمن والرأس المفكر لمحمد علي الحامي، فأسس معه جامعة عموم العملة التونسية سنة 1924 وأرّخ للحركة العمالية في كتابه "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية" سنة 1927 ، وقد وقعت مصادرته من طرف سلطات الاستعمار لما احتواه الكتاب من أفكار تنير البلاد وعقول العباد.

يعتبر الطاهر الحدّاد من الأوائل الذين انطلقوا من عملية معاينة وتشخيص للوضع المتردي في المجتمع التونسي ووضع المرأة المزري فكانت أفكاره نقلة نوعية في الوعي السياسي والإصلاح الاجتماعي لما احتواه كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" من جرأة في الطرح وشجاعة في المواقف. يرى الطاهر الحداد أن الإصلاح لا يقوم بغير الصلاح: صلاح الناس والأفكار...فدعى في كتاباته لإصلاح الأسرة والعائلة وتحرير المرأة. كان الطاهر الحداد متقدما على عصره ومتميزا في طرحه عن المفكرين الإصلاحيين الذين سبقوه في المجال السياسي والفكري والاجتماعي بالخصوص في موضوعين هامين قضية العمال وقضية المرأة والمناداة بتحريرها.

ويمكن أن نلخّص أفكار الطاهر الحداد المتعلقة بوضعية المرأة في النقاط التالية:

1- تقدّم المجتمع مرتبط بتقدّم المرأة وتحرّرها من الجهل، وقد عبّر عن ذلك بقوله "نهضة المرأة هي نهضتنا جميعا".
2- إعتبر أنّ مقاصد الشريعة أهم من الإجتهادات التي تتغير بتغير الأزمنة مثل أحكام العبيد والإماء وتعدد الزوجات.
3-ضرورة معرفة أحكام الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول، وملاءمة الفقه النسائي مع الظروف التاريخية وتغيّرها.
ينقسم كتاب الحداد "إمرأتنا في الشريعة والمجتمع إلى قسمين:
  • القسم الأول: تشريعي يهتم يالمرأة في الشريعة الإسلامية
  • القسم الثاني: توصيف ومعاينة واقع المرأة في المجتمع التونسي في القرن نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن الماضي (العشرين).
وأكّد الحداد في كتابه على ضرورة تغيير العقليات والمعتقدات السائدة حتى يقبل المجتمع بتغيير وضعية المرأة. وانطلق الحداد من الإسلام وقيمه الثابتة ومقاصد الشريعة الإسلامية ليبين أنّ الظلم والقهر والتسلّط التي تعاني منه المرأة في المجتمع ليس ناتجا عن الدين والنصوص التي أنزلها الله في كتابه وأقرّها الرسول عليه الصلاة والسلام قولا وفعلا، وإنما هو من فعل المسلمين والفقهاء الذين أوّلوا الدين وقرؤوا النص حسب مصالحهم الذكورية وظروفهم التاريخية والاجتماعية. واعتبر الحداد اختلاف المذاهب الفقهية وتعدد تفسير الأحكام حول قضايا عديدة تخص المرأة دليل على أنها اجتهادات بشرية وليست أحكام إلهية قاطعة.

وهو إلى جانب حرصه على ضرورة إصلاح وضع المرأة والنهوض بها كان أكثر حرصا على سلامة الأسرة كقيمة إجتماعية ثابتة والدعوة لإنشاء روابط زوجية متكافئة تضمن جوّا مناسبا لتكوين مجتمع سليم وبيئة ملائمة لإنشاء أجيال تحقق نهضة الأمة وتقدمها.

كانت ردّة فعل تيار الفقهاء والمشايخ المحافظين داخل الزيتونة غاضبة ورافضة لأفكار الطاهر الحداد، لأنها تمس بشكل مباشر مصالحهم الذكورية التي تحميها البنى التقليدية الموروثة وتضمن استمرار امتيازاتهم الأبوية داخل تركيبة المجتمع، فنجد أن هؤلاء المشايخ يقدّمون غطاء القداسة الدينية لتبرير تسلّطهم على المرأة، ما جعلهم يشنون حربا على الطاهر الحدّاد متّهمينه بالكفر والزندقة وأخرجوه من الملّة.

الخلاصة: نحن أمام حركة إصلاح في تاريخ تونس المعاصر تنقسم إلى مدرستين تختلفان في المنهج الإصلاحي والمرجعية الفكرية.

1-مدرسة الإصلاح السياسي مع خير الدين وابن أبي الضياف يتجاذبها الإنبهار بالحداثة الغربية وغياب التصور الفكري والأسس المرجعية في التعامل مع النص الديني في مسألة المرأة والأسرة والإفراط في تقديم إصلاح الشأن السياسي على الإصلاح في المجال الإجتماعي والثقافي.

2-مدرسة الإصلاح الزيتوني التي تعتبر امتدادا لحركة النهضة الفكرية الإسلامية التي يتزعمها جمال الدين الأفغاني وورثها تلميذه محمد عبده ثم رشيد رضا في الأطروحة التي تقوم على "أن المعالجة السياسية للأوضاع في العالم الإسلامي لا تؤدي إلى نتيجة بالنظر إلى شدة تأخّر الوعي الجمعي وبالنسبة إلى مقتضيات الزمان، وبالنظر إلى الاختلال الكامل في ميزان القوى بين أوربا والبلاد الإسلامية مما جعل الجانب السياسي والنضالي يكون على هامش الهمّ الفكري والنظري.

3- وأخيرا حلقة ناظمة بين المدرستين يمثلها الطاهر الحداد فكرا ومنهجا في صيرورة نضالية فكرية وإجتماعية تستمد شرعيتها من معاينة واقعية وأسس فكرية عجز الآخرون عن تنزيلها على مشاكل المجتمع التونسي فتحمّل الطاهر الحداد بجرأته تبعات الاصداع بما كان يراود شيوخه سرّا ، وأكبر دليل على ذلك معارضة الشيخ بن مراد العلنية لأفكار الحداد، ومسارعته لدفع ابنته بشيرة بن مراد إلى ممارسة ما كان يجاهر به الطاهر الحداد وينادي به في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع". وهكذا فعل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور والعديد من أعلام الزيتونة الذين حررهم الطاهر الحداد من خوفهم بعد أن امتصّ رفض المجتمع وغضب رجال الفكر التقليدي المحافظ.

(يتبع)
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-