أول ما طالعني التغيير في تنقلي سيرا، أسماء المدارس، والجامعة، أسعدني بعضها لا سيما اسم الجامعة الجديد الذي ينسّبها للمدينة، ولكن بعضها حزنت عليه لأنه ارتبط بذكريات طفولتي ومراهقتي، ورفاقي، كالخنساء، والغافقي، وفهمت أنهم جادون في طمس ما يذكّر بالعهد البائد حتى وإن لحقه الظلم، وفي هذا بعض حق، وغيره.
لم تصادفني السترات العسكرية المبرقعة كجلد السحالي الأسترالية رغم الجمال الربانيّ للأخيرة مقارنة بقبح الأولى، استبدلت السيارات الرسمية بالأخضر، أما الأمن والمرور فبأسود وأزرق داكن بديا أنيقين على أجساد الشبان الذين تتحلى وجوههم بوسامة نقية، كنت أترقب أن أرى المسدسات المتحفة للنظر تخبط صفحة أفخاذ مسؤولي الأمن بلا هوادة، لكنها مرت بنظري هادئة، تلك التي كانت تثير القرف والرعب في نفس كل شريف أحب مدينته ووطنه لأنه عرف تماما أنها يمكن أن تصوب إليه بقحة فتنهي حياته بلا شهقة. التقيت بمواطن عادي واحد لا غير يتقلد مسدسا وقد حفّ شاربه وأرخى ذقنا، هنا تذكرت ما ينشر ونقرؤه من بعيد بمغالطة مضاعفة كانت تثير رعبي، وتجعلني بطيئة القرار في العودة، لكن صدقا لم ألمح غيره، وما لمحت شيئا استثار فزعي منه، وطوال فترة تنقلي مشيا على الأرصفة وفي الأحياء أخذت ترتد اللهجة القروية إلى أذني، وكأن سكانها كلهم هبطوا إلى المدينة وتفوقوا بحضورهم، والجميع في تعايش وتسالم.
استوقفتني لوحة تحمل اسم حشد من شهداء المدينة الشباب في حي المارتقلا، فرحت أقلب نظري في أسماء عائلاتهم، تعثرت بحزن قاتل، ففي مدينتنا نعرف بعضنا من أسماء عائلاتنا، ولكم انتحبت تلكم العائلات بسبب الحكم الجهنمي، والصراع المرير بين الحق والباطل!
في كل يوم أتنقل على قدمي لألتصق أكثر بالأمكنة، فليس سواه يقرب من الواقع، لم أزر البحر بعد سوى مرة، ولكني زرت من المصايف سلمى، والمريج، والحفة وصلنفة، مسميات يعرفها أبناء المدينة جيدا، والسياح الذين يأتون إليها رغبة، ومحبة، وزرت بيتا لي يطل على الوادي في مصيف كنت أحلم أن أكسوه شحما، أثق أن وضعه الذي شاهدته عليه سيستدر تذكره كثيرا من الوجع، والوصف.
تنتابني رغبة جمة للقاء البشر، أصدقائي القدماء الأوفياء، والناس الذين تزدحم بهم الشوارع، فأروح أتحدث إلى الناس منتهزة أية فرصة للحديث، أنا في اشتياق إلى العواطف العفوية رغم أني أثق أن نفوسا كثيرة قد شوهها التدمير، وتساقط الموت كالشهب، ورغم ذلك ما أزال أرتجي الخير من أبناء تلك المدينة والوطن الكبير.
هناك غرباء جدا، وفوضى، سيارات تتوازى في مسارب ثنائية وثلاثية لا تجد لها مكانا للاصطفاف، ودرجات نارية تئز كالذباب، ولا تحمل أرقاما يمتطيها شبان ومراهقون، لشد ما يرعبني التفكير في وضعها، قيل لي إن فتيات مدينتي بتن يستعملن الدرجات النارية، سلوك لم أعتده، وينفي تماما ما يسردون حول أسر المرأة في العهد الجديد، لم ألتق بعد بنموذج، لكني ألتقي بالنسوة يمارسن حرياتهن بارتداء ما يرغبن، والتصرف كما عهدتهن من تدخين بمختلفه، موظفات وعاملات وطالبات يتنقلن صباحا في الحافلات إلى أعمالهن جنب الرجال، أذكر أني لمحت في مؤسسة رسمية إشارة إلى فصل بين النساء والرجال في الانتظار، تمنيت أن يتقيد الجميع به لما فيه من راحة وتنظيم، لكنه لم يكن سوى لوحة، ففوضى الانتظار ما تزال ترهق كما من قبل، لكن الموظفين باتوا ألطف في التعامل، بحسب ما لمست شخصيا، واستطعت أن أعبر عما أزعجني بسهولة لم نمكن منها زمن النظام المجرم!
حدث لا بد لي من ذكره، ورغم أن النظافة من القمامة صارت واضحة بفضل الاهتمام الحثيث بها في المطلق، أذكر أني صادفت جرذا ميتا كبيرا ملقى وسط رصيف، حوله كان سائو سيارات أجرة قد اكتظوا يدخنون في انتظار تلقّط زبون، ولا من واحد خطر له أن يحرك الجرذ ولو بركلة إلى حفرة ما رغم تكاثرها في الطريق، تخيلت أن النفوس التي اعتادت مشاهد الموت البشري كيف لجرذ مسكين أن يستثيرها، أما تدخين السجائر، والأركيلة فهما أسوأ ما يسرق حياة الشبان والناس في مختلف الأعمار هنا، ويلوث الجو بشدة، فمقاهٍ لا يحصى عددها تبتلع وتشوه جمال الأحياء السكنية يرشدك إليها معسّلها وتنباكها الذي يستبق أبوابها ونوافذها طاغيا على عطر ياسمين حارات مدينتنا الذي هو عنوان لها، بالإمكان القول إنها حالة من الانطفاء التام طوال وقائع الثورة والحرب سيطول الزمن للتخلص منها، فإن سألت فالرد نفسه يتكرر: نريد أن نسلو، وننسى ما مر بنا.. الهروب، والغياب، قد يكونان توصيفا جيدا للحالة برمتها!
.jpg)