هناك أطباء يعالجون المرض، وهناك أطباء يعالجون الإنسان.
والفرق بين الاثنين لا يُقاس بعدد العمليات التي أُجريت، ولا بعدد الشهادات المعلقة على الجدران، ولا حتى بحجم النجاح في قاعات العمليات.
إنه يُقاس باللحظة التي يدخل فيها إنسانٌ مثقلٌ بالألم إلى غرفة الطبيب، حاملاً خلفه سنوات من المعاناة والخوف والانتظار، ثم يخرج منها وهو يحمل شيئًا كان يظن أنه فقده إلى الأبد: الأمل.
وفي رحلتي الطويلة مع المرض والجراحات والألم، تعلمت أن الطب الحقيقي لا يسكن في الكتب وحدها، ولا في التقنيات الحديثة وحدها، ولا في المشرط مهما بلغت دقته.
الطب الحقيقي يسكن في العلم حين تقوده الرحمة، وفي المهارة حين يحرسها الضمير، وفي الطبيب حين يرى أمامه إنسانًا قبل أن يرى حالةً طبية.
ومن هنا بدأت حكايتي مع اسمين تركا في رحلتي أثرًا لا يمكن أن تمحوه السنوات:
بروفيسور يعقوبي مصطفى وبروفيسور عموري هشام.
لم أدخل إلى عالمهما وأنا أحمل مجرد مشكلة طبية تحتاج إلى حل.
دخلت وأنا أحمل سنوات من التعب، وأسئلة كثيرة، وتجارب جعلت كلمة «غدًا» تبدو أحيانًا بعيدة.
كنت أعرف معنى أن يتعب الجسد، لكنني عرفت أيضًا معنى أن يتعب الإنسان من الانتظار.
ومع ذلك، كان في داخلي شيء لم يمت.
كان هناك جزء صغير مني يرفض أن يصدق أن الرحلة انتهت.
ربما لهذا السبب كانت تجربتي معهما مختلفة.
لأن الطبيب الذي يقف أمام مريض أنهكه الألم لا يحتاج فقط إلى أن يعرف ماذا يفعل، بل يحتاج إلى أن يعرف كيف يعيد إليه الثقة بأن ما تبقى من الطريق يمكن أن يكون أجمل.
عندما تتجاوز الجراحة حدود غرفة العمليات الجراحة، في ظاهرها، عملية دقيقة تُنجزها أيدٍ خبيرة.
لكن بالنسبة إلى المريض، الجراحة ليست ساعات داخل غرفة عمليات.
إنها حياة كاملة معلقة على تلك الساعات.
هي عائلة تنتظر، وقلب يخاف، وإنسان يسأل نفسه:
هل سأستطيع أن أمشي؟
هل سأعود إلى حياتي؟
هل سأستعيد شيئًا مما فقدته؟
ولهذا فإن نجاح الطبيب لا يُقاس فقط بما يراه في صورة الأشعة بعد العملية.
أحيانًا يكون النجاح الحقيقي هو أن يرى المريض نفسه بعد فترة، فيقف، ويحاول، ويخطو خطوة جديدة، ثم يكتشف أن الجسد الذي ظن أنه خانه ما زال قادرًا على منحه فرصة أخرى.
وهنا أفهم أكثر قيمة ما فعله بروفيسور يعقوبي مصطفى وبروفيسور عموري هشام في رحلتي.
لقد كان علمهما جزءًا من علاجي، نعم.
لكن أثرهما تجاوز العلم إلى مساحة أعمق بكثير:
إلى استعادة الإنسان لإيمانه بنفسه.
إلى بروفيسور يعقوبي مصطفى
هناك أشخاص لا تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تدرك أنك أمام طبيب استثنائي.
يكفي أن ترى طريقة تعامله مع حالة معقدة، وأن تلمس في قراره ثقة العلم، وفي يده دقة الخبرة، وفي نظرته احترام الإنسان.
بروفيسور يعقوبي مصطفى بالنسبة إليّ ليس مجرد اسم ارتبط بعملية جراحية.
إنه اسم ارتبط بمرحلة كان عليّ فيها أن أتعلم من جديد كيف أقترب من الحياة.
لقد كان أمام تحديات ليست بسيطة، لكن الطبيب الحقيقي لا يبحث عن سهولة الطريق؛ بل يبحث عن الطريق الصحيح.
وفي عالم الطب، حيث يمكن لقرار واحد أن يغيّر حياة إنسان، تصبح الخبرة مسؤولية، ويصبح العلم أمانة، وتصبح الجرأة المحسوبة فضيلة.
وهذا ما جعلني أنظر إلى تجربتي معه ليس فقط بعين المريضة، وإنما بعين امرأة تعرف قيمة الإنسان الذي يختار أن يحمل مسؤولية إنقاذ حياة الآخرين.
وإلى بروفيسور عموري هشام
أما بروفيسور عموري هشام، فقد كان حاضرًا في فصل آخر من هذه الرحلة، فصلٍ تعلمت فيه أن الشفاء ليس لحظة واحدة، وإنما طريق طويل يحتاج إلى صبر وإيمان واستمرار.
في الطب، قد تكون العملية عظيمة، لكن ما يجعل أثرها خالدًا هو أن تكون جزءًا من رؤية متكاملة للإنسان.
فالطبيب لا يفتح باب الأمل للمريض بعملية فقط، وإنما يفتح أمامه احتمال العودة إلى الحياة.
وهذا الاحتمال، بالنسبة لمن عاش الألم طويلًا، ليس أمرًا بسيطًا.
إنه شيء يشبه النور بعد ليل طويل.
أنا لا أشكرهما لأنهما طبيبان فقط
قد يبدو من السهل أن أقول:
(شكرًا لأنكما أجريتما لي العملية.)
لكن هذه العبارة، مهما كانت صادقة، أصغر بكثير من المعنى الذي أحمله.
أنا أشكرهما لأنهما كانا جزءًا من لحظة فارقة في حياتي.
أشكرهما لأن الطب حين وصل إليّ عبرهما لم يكن مجرد إجراء طبي، بل كان يحمل في داخله معنى المسؤولية.
وأشكرهما لأنني، بعد سنوات من الألم، أصبحت أستطيع أن أنظر إلى الأمام بدل أن أنظر فقط إلى ما يؤلمني.
ربما لا يعرف الطبيب دائمًا حجم الأثر الذي يتركه في حياة مريضه.
قد ينتهي يومه، ويعود إلى بيته، ثم يستقبل في اليوم التالي مريضًا جديدًا.
أما المريض، فقد يحمل اسم الطبيب معه سنوات طويلة.
قد يتذكر صوته، وقد يتذكر كلماته، وقد يتذكر لحظة دخوله غرفة العمليات.
وقد يتذكر أكثر من ذلك كله: الشعور الذي منحه إياه الطبيب في أكثر لحظات ضعفه.
وهذا هو النوع من الأثر الذي لا يُكتب في الملف الطبي.
لأن بعض الأطباء يتركون أثرًا لا تزيله السنوات
أنا لا أكتب هذه الكلمات لأصنع من طبيبين أسطورة.
فالطبيب العظيم لا يحتاج إلى أسطورة.
يكفيه علمه، وتكفيه سنوات دراسته، وتكفيه ليالي التعب، وتكفيه المسؤولية التي يحملها عندما تكون حياة إنسان بين يديه.
ولكنني أكتب لأن هناك أشياء جميلة في الحياة تستحق أن تُقال.
وأحيانًا يكون الصمت أمام الجميل نوعًا من الظلم.
لذلك أقولها بكل امتنان:
شكرًا بروفيسور يعقوبي مصطفى.
شكرًا بروفيسور عموري هشام.
شكرًا لأنكما كنتما جزءًا من عودتي إلى الطريق.
وشكرًا لكل يد طبية تعمل في صمت كي تمنح إنسانًا آخر فرصة للكلام، والحركة، والضحك، والحياة.
وفي النهاية…
قد ينسى الإنسان تفاصيل كثيرة من حياته.
قد ينسى بعض التواريخ، وبعض الوجوه، وبعض الكلمات.
لكنه لا ينسى بسهولة الشخص الذي ساعده عندما كان في أمسّ الحاجة إلى الأمل.
وأنا، مهما امتدت السنوات، سأظل أتذكر أن في رحلتي طبيبين لم يكونا مجرد أسماء في تاريخ مرضي، بل كانا جزءًا من فصل كتبته الحياة في لحظة شديدة الصعوبة.
فإذا كان الطبيب يحمل مشرطه في يده، فإنه يحمل في قلبه مسؤولية أكبر:
أن يلمس حياة إنسان دون أن يجرح كرامته، وأن يعالج جسده دون أن ينسى روحه.
وهنا يكمن الفرق بين من يمارس الطب، ومن يجعل من الطب رسالة.
إلى بروفيسور يعقوبي مصطفى، وإلى بروفيسور عموري هشام:
قد لا تكفي الكلمات لرد الجميل، وقد لا تستطيع المقالات أن تختصر سنوات العلم والخبرة والعطاء.
لكنني أستطيع أن أقول شيئًا واحدًا من أعماق قلبي:
كنتُ مريضة تبحث عن طريق للنجاة، فوجدتُ في علمكما يدًا تمتلك المعرفة، وفي إنسانيتكما سببًا إضافيًا لأؤمن بأن الطريق لم ينتهِ.
وهذه ليست مجرد كلمة شكر.
هذه شهادة إنسانة عاشت الألم، ثم وجدت من يساعدها على أن تكتب فصلًا جديدًا من حياتها.