بيئة البطلة فقيرة، أمها المثقلة بالخيبات، تمارس تسلطها عليها كردة فعل تخصها هي، وعندما تحاول أن ترسم مصير ابنتها وفق رؤيتها الخاصة، تقف في وجه حلمها بالكتابة، وتعرقل طريقها إليها، رغم أن الطفلة بعد سنوات من تخليها عن وسطها كله بما فيه عاشقها، تلتقي بحلمها.
تناقض في مشاعر الأم نحو أولادها، الحب للصبي الأكبر العنيف الأناني، بينما يُترك الابن الأصغر على هامش الاهتمام حتى يموت بصمت يكاد لا يترك أثرا.
في هذا المناخ تنمو البطلة، وهي تحمل شعورا دائما بالاختناق، والرغبة في الإفلات، ومن هنا تبدو علاقتها بالعاشق خروجا على المألوف أكثر منها انجذابا عاطفيا خالصا. إنها محاولة لإثبات الحضور، واكتشاف الذات عبر تجربة تتجاوز القيود الاجتماعية والعائلية، فيغدو الجسد في الرواية مساحة للتمرد بقدر ما هو مساحة للرغبة أيضا، ولا يمكن القول إن ثراء العاشق هو السبب المباشر في انجذابها إليه، لكنها لا تنكر أنه يفتنها خاصة حين يقابل بالفقر الذي طبع حياتها، قد يكون رمزا لإمكانية الخلاص ليس إلا..
أما العاشق نفسه، فيبقى شخصية مأساوية، فعلى الرغم من ثرائه ومكانته الاجتماعية يعجز عن مواجهة سلطة عائلته الرافضة لهذه العلاقة لينتهي الأمر به أسيرا للذكرى، متعلقا بصورة الفتاة التي أحبها، وكأن حبه لم يتوقف يوما عن العيش في الماضي، وحتى حين يتمكن من بناء علاقة حقيقية بالزواج يكون في استحضار طيف طفلته/ كما كان يلقبها.
في هذا المعنى، يكون العاشق الحقيقي في الرواية، هو الماضي ذاته، ذلك الماضي الذي تعود إليه "مارغريت دوراس" لا لتستعيده فحسب، بل لتفهم من كانت، وكيف صنعتها الخسارات والحب والحنين كامرأة مختلفة عن أمها، وأسرتها.
وأجمل ما في الرواية أسلوبها الشاعري، ورومنسية الحدث، فرنسية تسحب ذكرياتها بهدوء من خزينة الطفولة، والمراهقة، تسرد عن الأجواء التي عاشت فيها في الهند الصينية (فيتنام) حاليا، وأنها تجري كنهر يتتابع صورا، ومشاهد تتناثر في ألبوم تقلبه ذاكرتها مثيرة به الشغب، والانطلاق..
تنسب الحياة إلى قصة الرواية، لأنها تعاود تشكيل روح تشبهنا بقيت سنوات طويلة غامضة لنا إلى أن استطعنا أن نتقدم منها بحنان

