حاورها: عبد القادر كعبان - الجزائر - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "
الكاتبة الأديبة بسمة عبد العزيز بالإضافة إلى إبداعها في الكتابة الأدبية فهي فنانة تشكيلية من مواليد 1976 بالقاهرة. درست الطب في جامعة عين شمس، ثم عملت طبيبة بمستشفى العباسية للصحة النفسية، إهتمامها بالأدب بقي ينمو في داخلها بالرغم من طبيعة عملها ودراستها في الطب ،ولها مؤلفات قصصية من أبرزها مجموعتان الأولى تحت عنوان "عشان ربنا يسهل" (2007) و الثانية تحت عنوان "الولد الذي اختفى" (2009)،ولها مقالات عدة في جريدة الشروق المصرية تحت عنوان إنطباعات ،وصدر لها مؤخرا عن دار التنوير رواية تحت عنوان "الطابور" و منها إنطلقنا معها بهذا الحوار الخاص بـ " وكالة أخبار المرأة " فلنتابع مجرياته التي أتصفت بالشفافية والوقوف على أهم محطات حياتها :
* بداية .. كيف تقدم بسمة عبد العزيز نفسها للقارئ؟
- طبيبة وكاتبة، تخرجت من كلية طب عين شمس عام 2000، وتخصصت بعد ذلك في طب الأمراض النفسية والعصبية، ثم درست علم الاجتماع، وأزاول الفن التشكيلي منذ سنوات طويلة، أقمت عدة معارض في الرسم والتصوير، كما درست النحت مع الفنان صبري ناشد، وأقمت أيضاً معارضاً لمنحوتاتي. أكتب مقالات منتظمة تحت عنوان "انطباعات" بجريدة الشروق المصرية، ولي عدة مؤلفات أدبية وعلمية.
* كيف كانت بداية بسمة عبد العزيز في مجال الكتابة؟
- كانت لي كتابات صحفية منذ كنت طالبة في كلية الطب، أما الكتابة الأدبية المبكرة فكانت كما يفعل الجميع في مراحل الدراسة الأولى، مجرد خواطر وأشعار، لكن بداية النشر والكتابة القصصية فكانت بعد فوزي بجائزة جمعية الكاتبات المصريات عن أول قصة قصيرة غير منشورة أكتبها في حياتي بعنوان "جسم غريب"، وقد قررت بعدها أن أوجه انتباهي قليلاً إلى القصة، واستكملت مجموعتي القصصية الأولى في عام 2007، ونشرتها لي دار ميريت، وفازت هذه المجموعة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس للأدب المصري فرع الشباب، ثم أنهيت مجموعة ثانية فازت بجائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة، وأدركت بعد فترة قصيرة أن الكتابة تستحوز على اهتمامي الأكبر فتوالت كتاباتي في صور مختلفة، لم تقتصر على الأدب، حيث قدمت بعض الكتب البحثية، آخرها "إغراء السلطة المطلقة" وهو دراسة عن علاقة المواطن العادي بالشرطة في التاريخ المصري، فازت بمنحة أحمد بهاء الدين البحثية للشباب، وصدرت على هيئة كتاب، تسلمته والناشر من المطبعة خلال الأيام الأولى من الثورة أثناء حظر التجول.
* لقد أنجزت مجموعتان قصصيتان "عشان ربنا يسهل" و "الولد الذي اختفى" هل يمكن أن تحدثينا عن خصائص البنية القصصية عندك؟
- في الحقيقة لقد شبه بعض النقاد قصص هاتين المجموعتين بأعمال العظيم يوسف إدريس، وإن كان في هذا التشبيه كثير من التجاوز، لكني أظن مَرَدّه إلى البنية القصصية لدي، وهي بنية كلاسيكية، لم يكن فيها الكثير من التجريب ولا المغامرة مع وجود استثناءات بسيطة. العالم القصصي يعتمد على شخصيات هامشية، لها وجود تقليدي في حياتنا لكنها تكتسب عندي أبعاداً جديدة، فأحاول أن أقدمها من زوايا مختلفة أكثر قرباً ودفئاً، طرقت عالم ماسح السلالم الأمي الذي لا يرغب سوى في نتيجة وأجندة للعام الجديد، والمريض الذي يتدرب عليه الأطباء فيتعلم كيف يبيع لهم معلومات عن مرضه من أجل اجتياز الاختبارات، وكذلك البواب الذي يحلم بالفوز بآنية زجاجية رخيصة مع بعض مستلزمات البيت، فتصبح الآنية التي يحطمها طفله عن غير قصد مرادفاً لحياته، وهكذا، أكتب عن شخصيات أصادفها وتجتذبني إلى عالمها، فألتقط بعض ملامحها وأترك لخيالي رسم التفاصيل والعالم المحيط.
* ما هي روافد الإلهام بالنسبة للكاتبة بسمة عبد العزيز؟
- تعتبر التجربة الحياتية، والتفاصيل اليومية الدقيقة؛ البسيط منها والمعقد من أهم الروافد ، والتي ربما تمر مروراً عابراً على بعض الناس، لكنها تثير دهشتي وتستوقفني، وقد تحتفظ بها ذاكرتي إلى حين، ثم أجدها تخرج عند الحاجة. كلمة أسمعها في الراديو أثناء ذهابي إلى العمل قد تتحول إلى قصة قصيرة، وربما إلى لقطة في رواية، هي بالفعل تفاصيل الحياة الصغيرة، التي قد لا تلفت الانتباه، لكنها تدفع إلى التفكير، وتشكل روافد الإلهام والإبداع.
* بعدة تجربة قصصية صدرت لك مؤخرا رواية "الطابور" حدثينا عن هذه التجربة؟
- كتابة الرواية تجربة تختلف تماما عن تجربة كتابة القصة القصيرة، فالقصة لقطة شديدة التكثيف قد تصل إلى شكلها النهائي في فترة قصيرة جداً، أما الرواية فتحتاج إلى شيء من التفرغ والتركيز، كي يمكن للكاتب العيش في أجواءها، وتنظيم أحداثها والحرص على عدم إفلات التفاصيل الكثيرة المتشابكة. أما عن هذه الرواية، فقد سافرت إلى فرنسا لاستكمال دراسات عليا في علم النفس الاجتماعي، وعدت إلى القاهرة حتى أقوم بكتابة الرسالة العلمية، لكني بدلاً من هذا عكفت على كتابة الرواية، ومكثت شهرين كاملين لا أفعل شيئاً سوى الكتابة، حتى انتهيت منها، وهي تدور في جو عبثي، يحاكي الواقع الراهن، لكنه يتخطاه ويسخر منه، وقد كانت تلك الوسيلة الوحيدة التي رأيتها مناسبة للحديث عن ما يجري في مصر بعد الثورة، دون أن أسقط في فخ الكتابة التوثيقية أو التسجيلية.
* هل بالإمكان أن تخبري القراء عن قصة عنوان روايتك الطابور ؟وماذا تقصدين به ؟
- القصة بسيطة جداً، فقد كنت في طريقي لقضاء بعد الحاجات، ثم مررت بوسط المدينة، فرأيت بوابة ضخمة حديدية مغلقة، وأشخاص كثيرين يقفون في "طابور". أمضيت عدة ساعات في المنطقة ثم عدت من نفس الطريق، فوجدت البوابة لاتزال مغلقة بينما الطابور يتسع ويتمدد، والناس يتكاثرون، بعضهم ينام مستندا إلى الجدار والبعض يجلس أرضاً، لكن أحد لا يغادر كأنهم صاروا مقيدين في أماكنهم بقيود حريرية لا تُرى. ظل المشهد يدور في رأسي حتى بدأت الكتابة، وقد صار الطابور في روايتي بطلاً حقيقياً، ورمزاً لعملية التنميط التي تقوم بها السلطة تجاه الأفراد، بحيث يصبحون نسخاً تتحرك في آلية، تسير إلى مصيرها، تستسلم للقوة المجهولة، الكامنة وراء البوابة التي لا تنفتح أبداً. جعلت الطابور حياة موازية ، ففيه أشخاص يقضون ليال وأيام، ينقلون أعمالهم إليه، ويصطحبون أطفالهم ليلعبوا حوله، حتى إن بعض هؤلاء الناس يدافع عن وجود الطابور، ولا يتخيل أن تسير حياته دونه.
* من يلفت انتباه الروائية بسمة عبد العزيز من كتاب الرواية في مصر اليوم؟
أشعر بشديد الإعجاب تجاه لغة يوسف زيدان، فهو قادر على تطويع الكلمات واستخدام مفردات ومشتقات غير مطروقة، كما أعجب بعالم صنع الله ابراهيم وكتابته شديدة الخصوصية، وأراها الأقرب إلى نفسي، وقد أسعدني كثيراً إثناءه على روايتي، وكنت بالفعل أتذكر بعض أعماله وأنا أكتب، وأتمنى أن أقترب من حرفيتها وطزاجتها الإبداعية.
* كيف ترين واقع المرأة المصرية اليوم؟
- أراه دون مبالغة وعلى عكس ما يرى الكثيرون مبشراً، فالمرأة المصرية كسرت حواجز كثيرة مع قيام الثورة، وحققت بالفعل المساواة الكاملة مع الرجل في الميدان، خلال المعارك وفيما بينها، صحيح إن هناك محاولة للرجوع بها مئات السنوات إلى الوراء، لكنها محاولات أظنها سوف تبوء بالفشل، فاليوم تخرج المرأة في طليعة المحتجين على سوء الاوضاع، وتنضم للأحزاب، وتقود التظاهرات، ولا تسمح لأي شخص بإهانتها، وهي تتعلم وتعمل وتحقق في المجالين ندية حقيقية وتفوقاً، وهي إضافة إلى هذا تعول في 30 بالمائة من الحالات أسرة وأبناء. في الوقت ذاته، كسرت المرأة المصرية عصا التدين الزائفة التي كان البعض يلوح بها، وأدركت كما أدرك الشعب بأكمله كم الكذب والخداع الذي قام به المتاجرون بالدين والمتكسبون منه، وقد قررت أخيراً أن تطالب بحقوقها كاملة، ومهما طال الوقت فلن تعود إلى الوراء. كانت المشكلة فيما مضى في الصمت، أما وقد علا الصوت فالعدالة الحقيقية قادمة ولاشك.
*هل استطاعت المرأة المصرية أن تتغلب على الصورة النمطية التي وضعتها فيها ثالوث (الدين-العادات و التقاليد-الواقع السياسي)؟
- كما ذكرت من قبل، المرأة المصرية تخوض الآن صراعاً غايته نيل الحرية والكرامة الكاملة غير المنتقصة، وهي بالفعل تتغلب يوماً بعد يوم على هذا الثالوث، الذي طالما كبلها وعرضها للقهر، لم تحصل المرأة على حقوقها كاملة حتى الآن ولم تحقق النصر في معركتها لكني أثق أننا جميعاً على الطريق السليم.
* ما رأيك في العالم الإفتراضي اليوم؟
- هذا العالم منفرد جد وإستثنائي ،وهو وسيلة مدهشة للتواصل وجمع وتلخيص المعلومات، لكني كذلك أرى بوضوح آثارها الجانبية المزعجة، فالتفاعل المستمر مع شاشة لا روح فيها أمر يبعث على الكآبة، حيث تفتقد العبارات والكلمات حرارة التعبير بالصوت، ولغة الجسد، اخشى أيضاً أن يصبح العالم الافتراضي بديلاً كتابياً عن الفعل الحقيقي، فالوقت الحالي يحتاج منا للوجود على الأرض، والتفاعل مع الآخرين، ولا يجب ان ننسى نسبة الأمية التي تتجاوز 40% من أفراد الشعب، والتي تعني الحاجة لمزيد من العمل والجهد، في العالم الحقيقي بالطبع وليس الافتراضي.
* ما هي الرسالة التي تريد إيصالها بسمة عبد العزيز لكل من يفكر في كتابة الرواية؟
- حقيقة ليس من عادتي أن أنصح أو أوجه رسائل، فأنا أمقت تلك السلطة التي تسمح لشخص بأن يوجه آخر أو يضع نفسه في مرتبة أعلى، لكني على كل حال، أقول لكل من يفكر في الكتابة ويملك الموهبة، لا تستلم للنصائح الجاهزة ولا تتبع خطى الآخرين، فقط تسلح بمعرفة لغوية واسعة، وقراءة أوسع، على الصعيد الأدبي والثقافي، ثم أترك لأفكارك وخيالك العنان، ولا تخاف حتى لو بدا لك ما تكتبه تافهاً أو غريباً، فسوف يتبلور ذات مرة كل ما حصلته من معرفة في عمل حقيقي.
* هل من كلمة أخيرة؟
- أشكرك وأشكر " وكالة أخبار المرأة " على هذا اللقاء ، وكذلك أشكر القراء جميعهم لإنهم أصحاب القرار والرأي بما يبث لهم ، كما أعتذر إن كنت قد أطلت في الإجابة، وأرجو أن أكون قد استوفيت الأسئلة بشكل مُرض.
* الشكر لك على إتاحة الفرصة لنا للإطلاله على جانب من حياتك وإبداعاتك .
