يوم الجمعة يوم عمل مليء بالتعب، استاذنت مقعدي قليلا لأجلس وأرى كم الرسائل التي تصلني يوميًا، لفت إنتباهي رسالة من شخص قد وعدني يومًا بأن يساعدني في عمل تصريح للدخول إلى فلسطين المحتلة عام 48 ما أن فتحت الرسالة وبت أرقص وأقفز وأصرخ لأول مرة أتمكن من زيارة تلك الأماكن الفلسطينية التي حرمنا منها الإسرائيليين، يجب على الفلسطيني أن يكون لديه هوية ممغنطة إسرائيلية حتى يتمكن من الحصول على إذن بالدخول لفلسطين المحتلة إن أذنوا لنا بذلك وتكرموا علينا بتصريح لمدة يوم أو يومين لا أكثر، نزلت الى الشارع ركوضًا الى أن وصلت إلى صاحب التاكسي الذي يحمل معه تصريح الدخول نظرت إليه من النافذة وسألته: لديك ظرف لي من شخص ما
برقت عيناي فرحًا، تاملت التصريح جيدًا، فجأة ومن غير سابق انذار دموع تنهمر وأسئلة تطرق باب الروح والعقل هل بتنا نفرح لمجرد ورقة يمنحها الاسرائيليين لنا للدخول الى باقي الاراضي الفلسطينية؟؟ هل وصلت سياساتهم ليدخولنا هذه الدوامة ما بين حلم العودة وبين حلم التمتع بلحظات قليلة في فلسطين الداخل وبين نضالنا ضدهم وفرحتنا بتصريح يتكرمون علينا به، ما مدى جمع التناقض هذا الذي نحمله...
أشرقت شمس الصباح شمس الحرية شعور باللاوعي، حب بالفراغ وتأمل بما هو قادم، تصريحي يبدأ من الساعة السابعة صباحًا وينتهي الساعة العاشرة ليلاً من مساء اليوم التالي، دقت الساعة السابعة صباحًا لا اريد ان تضيع دقيقة واحدة مني
سمعته متعجبة!!!! وأنا لاأعرف كم من الوقت الذي سأستغرقه في عبور معبر الاسرائيليين ؟؟ وما المكان الذي سأصل إليه ما بعد الجدار متخيلة مناطق وسيناريوهات كثيرة ... أجبته إني لا أعرف عند وصولي سأتصل بك..
هناك سترى مجندة تتحدث بالهاتف داخل غرفة من زجاج مقوى ضد الرصاص، تنتظر وقتًا لان يقودها حسها أن هناك إنسان يقف أمامها ينتظرها لتسمح له بالعبور، نظرت إليها وبلحظة صرخت وقلت لها ماذا أفعل ؟؟ هذا هو التصريح؟ نظرت إلي مستهترة وأشارت بيدها لكي ادخل.
هناك سترى ساحة كبيرة تمر منها لتجد نفسك في مكان ما كثير الالتواءات تدخل من باب يدور حول نفسه، ثم عليك ان تضع ما تحمله داخل جهاز للفحص، أما انت تدخل من باب أخر للفحص أيضا، على طرفي هذه المعادلة هناك غرفتين متقابلتين بداخلهما جنود إسرائيليين، حيث الزجاج يسمح لهم برؤيتك فقط، تخرج من هناك لتجد جندي إسرائيلي أخر داخل غرفة زجاجية يطلب منك ان تظهر التصريح بضع دقائق، وإن كنت حامل للهوية الممغنطة عليك وضع يديك في ألة لفحص البصمات، ولأن كتب في تصريحي"يسمح لها بالحركة دون هوية ممغنطة" لم أحتاج لفحص بصماتي
وأخيرًا خرجت من المعبر، نظرت حولي هناك يوجد باص ينقلك إلى مدينة القدس، وفي الطريق كنت اتامل المكان والزمان، سرحت في اللاوعي وسألت نفسي كثيرًا لماذا هذه الأرض ليست لنا وتناقض المعنى والصورة جعلني أسال نفسي هل لو كانت هذه الجنة معنا ستكون بهذا الجمال والترتيب، سؤال يسأله كل فلسطيني يدخل ويرى فلسطين المحتلة
يهود متدينين يملؤن المكان، إتصلت بصديقي ...دون جدوى، قررت ان أتجول في المكان وبما أنني أحب أن أتوه في المكان لاستكشافه و لأنني عربية ساقتني أرجلي إلى سوق كبير يدعى سوق باب العمود وهي أحد أبواب المسجد الأقصى، شوارعه عتيقة مبنية من سلسلة قباب، وفيها يجد الزائر كل ما يحتاجه وتشتهيه النفس، محلات تجارية للبيع الخزف والحصر والقش وأسرجة الخيل التي تعتبر صناعات عريقة جدا ،هنا وهناك بسطات على الأرض
رائحة الكعك المقدسي تفوح المكان، أما رائحة الكنافة تسيل اللعاب، وأخيرًا وصلت إحدى أبواب المسجد الأقصى هناك رأيت فتاة جزائرية تتحدث مع الجندي تلفتت نحوي وقالت لي: "وش نسوي ماقابلين يدخلوني الأقصى على جال ما معاي باسبورت" لهجتها الجزائرية ألهبت الحنين إلى تلك البلاد وللوهلة الأولى وبعد 18 عامًا من الغياب وجدت نفسي أدرك تمامًا انني لم أنسى اللهجة الجزائرية وبدأت التحدث معها إلى أن نادى الجندي " سمعتهم يقولون انه درزي"
وسمح لي بدخول الأقصى، ساحات المسجد تحكي تاريخا عظيمًا عريقا ستشعرون بالجمال والابداع ..كما ستشعرون بالألم والحزن .. مشاعر مختلطة
نظرت متأملة أحتار من أين أبدأ، نظر الي عجوز بالستين من عمره يدعى أبو أيوب قال لي "انت من أين" قلت له أنا من بيت لحم"
هززت رأسي موافقة، بدأنا التجول أولاً إلى المصلى المرواني " وقال لي كيف كان يستخدمونه إسطبلاً للخيول في زمن الصليبيين ، ثم مصلى الاقصى القديم وذكر لي: أن من بناه الأمويون ليكون مدخلاً ملكياً إلى المسجد الأقصى
ثم توجهنا إلى الجامع القبلي وهو الجزء الجنوبي من المسجد الأقصى المواجه ولذلك سمي بالجامع القبلي، وهو المبنى ذو القبة الرصاصية، ثم إلى مسجد البراق وذكر لي أنا هناك حلقة حديدة في الحائط أين ربط الرسول براقه ومن ثم أسري به، ثم أشار لي إلى قبب منثورة هنا وهناك في ساحات الاقصى قبة النحوية، قبة الأرواح، السلسة، سليمان، المعراج، الاسراء، الخضر، الميزان وقبة موسىى والكثير منها لم أستطع حفظ أسماؤها
ثم توجهنا إلى شاطىء البحر هناك في مدينة قيسارية هذا البحر الذي يروي على سطور أمواجه قصة حب تمزج معها رطوبة الماء البارد مع حرارة ضوء الشمس، أخذت أتابع الأمواج لعلي أجد سر وصولها إلى الشاطئ ...أمواجه المتدفقة وهي تنكسر وتنثر لآلئاً من الأصداف البحرية والحصى الذهبية المغسولة دائما بمياهه في حركتي مدّ وجزر
هناك اناس يقفون بعيدًا يتأملوني لربما أدركوا أنني لم أرى البحر قط، دمعت أعينهم قبل عيناي وأبحرت في اللاوجود
هذه المدينة التي لا تنام تماما مثل مدينتي ....طُرقاتها تحتضن هموم العابرين وتُنصت تصدعًا
وصلت إلى مكان ما هناك
نزلت من السيارة أترقب وصولها ما أن وصلت حتى صرخت متعالية الصوت توقفت حينها جميع السيارات والمارة ينظرون إلينا مبتسمين ، أسئلة تملؤها التعجب، حضنتها من بعيد لامست جسدها الدافىء كم هي جميلة ، عانقنا الوجود، إرتجفت يداي ثم تنخلت الرجفة إلى جميع أجزائي ، وأنا أقفز وأصرخ ..أبكي... وأضحك.. لقاؤنا بات حلمًا، الأن أنا أحبها لطالما بحثت لاهثة على تصريح لأرى صديقتي الروحية، كم نحن نقبع تحت إحتلال فهم قيدوا روحنا وبعثروا أحلامنا وفككوا أجسادنا لتسير بين الواقع واللاواقع
هناك وفي إحدى غرفها المخملية تسامرنا الحديث حتى الصباح، الساعة الأن السادسة صباحًا خرجنا لنزور الناصرة ونمشي في شوارعها بين نسمات الندى، رائحة المناقيش تعلو المكان فقد تذكرت حينها ذلك الفرن الصغير في جنوب لبنان في ضيعة تدعى "عِبا" كنت وأنا صغيرة أحمل صحنًا قد صنعته خالتي من الزعتر والزيت، حتى أصل ذاك الفرن يعطيني الفران قليلاً من العجين مد على خشبة طويلة و أضع فوقه الزعتر والزيت حتى أنتهي يضعها عمو الفران بين لهيب النار المشتعلة ..
ما أجمل الناصرة مدينة الأحلام.. لابد لي أن ازور أماكن أخرى ... ودعت صديقتي ..
رمقني بنظراته الشافقة وقال: تكرم عيونك
تجولت في أزقتها وشوارعها الرخامية القديمة، سوق عكا القديم، شربت القهوة مع أحد الباعة هناك كان يجلس هو و3 من أصدقائه في حانة للبيع الملابس التراثية الفلسطينية، سألته لماذا لا تبيع الثوب العكاوي، وبدأت بوصفه ذلك الثوب المنسدل رائع التكوين مطرز بألوان الحب، وطاقية الرأس تزيد العنق طولاً وجمالاً
تسامرنا الحديث وسألت إحدى العكاويات الجالسات، ماذا كان شعوركم عند سماع بدولة فلسطينية في حدود 67؟؟ قالت: ربنا يفرجها عليكم ويارب تصير عندكم دولة.. خلص بيكفيكم تعب وعذاب..
ماذا قصدت بقولها "ربي يفرجها عليكم!! من نحن لسنا فلسطينيون؟؟ إعلان دولة يلغي حقي بالمقاومة والمطالبة بأرضي بيت جبرين أو حيفا عكا... يعني أنني لن أرى بلدي مرة أخرى
توجهنا إلى مدينة حيفا، تمشينا على شاطىء البحر جلست على الرمل بحثت عن بقايا الصدف الملون وبت أضع كل واحدة على أذني لأسمع صوت البحر، جمعت منها الكثير...
بدأ الليل يلون بسواده السماء، توجهنا إلى ميناء يافا أحياء اسرائيلية، البحر هادىء والسفن تتوسطه، صيادون هنا وهناك، جلست على السور أركل الأرض، أحدق في السماء، قلق توتر، حان وقت الوداع .. صدى الكلمات، تضيع صور تلك المدن بين صفحات الذكريات..ويمضي الوقت وتتوارى اللحظات عن أنظار الزمن، يتلاشي سراب الواقع ويحيا الحلم عميقا فينا، سمعت صوت محمود درويش يردد لي " لم أعد طفلاً منذ قليل. منذ أن استطعت تمييز الحقيقة من الحلم، ومنذ أن قدرت على التفريق بين ما يحدث وبين ما حدث منذ سويعات. هل يتحطم الوقت مثل الزجاج ؟ لم أعد طفلاً منذ أن
"عرفت بأن مخيمات اللاجئين في لبنان هي الحقيقة وأن فلسطين، من الآن فصاعداً، سوف تسكن الحلم."
