تحقيق: الثريا رمضان - تونس - وكالة أخبار المرأة
" وكالة أخبار المرأة " فتحت هذا الملفّ من خلال زيارة لمركز التوجيه والاستماع للنساء ضحايا العنف التابع للجمعيّة التونسية للنساء الديمقراطيّات، حيث التقت هناك بمجموعة من المختصّات سواء في المجال النفسي أو القانوني للتعرّف عن قرب على هذا النوع من العنف الذي يطال المرأة، وفتح ملفّات بعض الحالات التي وردت على المركز.
السكوت لطمس الفضيحة
"هنالك تكتّم على هذه القضايا خصوصا من الأمهات"
القانون في تونس يُعاني نقصا، حسب المحامية آمنة الزهروني، إذ يقدّم نصوصا عامّة لا تفي بالغرض، وبالتالي ترى آمنة أنه يجب تنقيح المجلة الجزائية لمراعاة المعايير النفسية والاجتماعية الحديثة. من جهته، جرّم القانون التونسي الاغتصاب والمفاحشة والتجاهر بما ينافي الحياء واللواط والمساحقة والفرار بقاصرة والمواقعة برضا الفتاة التى لم تبلغ سن الرشد، فضلا عن الزنا والخناء والزواج على خلاف الصيغ القانونية. وكانت الجمعية التونسية للنساء الديمفراطيات نظمت سنة 2004 حملة واسعة لتجريم التحرّش الجنسي، لعبت دورا فاعلا في تنقيح المجلة الجزائية، من خلال القانون عدد 73 لسنة 2004 والمتعلق بتنقيح وإتمام المجلة الجزائية بخصوص تجريم الاعتداءات على الأخلاق الحميدة والتحرش الجنسي. وهو قانون يحمي المرأة في مواقع الدراسة والعمل وداخل المجتمع. ويتمّم هذا القانون المجلة الجزائية ويدخل عقوبات جديدة بالسجن وبالخطية لكلّ من يعتدي على الأخلاق الحميدة وكلّ مرتكب لتحرش جنسي تكون المرأة أو الطفل متضررين منه. ويضبط القانون مفهوم التحرش الجنسي ويشدّد العقاب عند ارتكابه ضد طفل أو قاصر ذهنيا أو بدنيا. وأتت هذه الإضافات على الفصل 226 من المجلة الجزائية. وهي تعتبر تتمة للمنظومة الجزائية الحمائية للمرأة والطفل ضد كلّ استغلال جنسي أو اعتداء أخلاقي.
وتأخذنا أمنة الزهروني إلى بعض الملفّات التي تمّ فتحها داخل المركز، وتروي لنا كيف تعدّى أبٌ على ابنته ، وعلى ابنه أيضا وحين اكتشفت زوجته الأمر واشتكت أمره إلى الشرطة، اتهمها بأنها تخونه مع عشيق لها وكان مآل القضية عدم سماع الدعوى. أما الملفّ الأخطر، فهو ملفّ سائق الأجرة الذي كان يتعدّى على ابنته جنسيّا، وتعمّدت الأم كيّ ابنتها بسكين حامية حين أخبرتها بالقصة حتى لا تخبر أحدا، خصوصا بعد أن أراد الأب الاعتداء على الأخت مما جعل الفتاة تشتكي، وتمّ بالفعل إدانة الأب. هذه القضية تفتح باب ملفّ أخطر وهو العقلية التي تحملها الأم حول مفهوم العيْب والحرام، حسب قول المحامية الزهروني، للحفاظ على الإطار الأسريّ أمام المجتمع مهما كان ما يُبطنه من خلل أخلاقي.
هنالك حالات تُكتشف مصادفة، ومنها حالة إحدى الفتيات التي كان أخوها يتحرّش بها، واكتشفتها آمال الزهروني خلال فترة تدريب بأحد الأحياء الشعبية. تقول: "لاحظت أنها تُغمض عينيها بشكل دائم، كلّمتها مرة وسألتها عن السبب فأخبرتني أن النور يؤلم عينيها، وكانت تتكلّم بشكل غير طبيعي (تْوَكْوِكْ)، فحاولت أن أستفسر منها الأمر، فبكت وقالت أنها لا تريد أن تُبصِر". هي فتاة في التاسعة عشر من عمرها، كان أخوها يتحرّش بها، وحين اشتكت لأمها ضربتها بأنبوب الريّ. "لم أستطع متابعة الحالة بسبب بُعد المسافة، كما أن البنت صارت تتحاشاني" تقول أمال، مردفة "إنها مشكلة وعي بالأساس، فهنالك تكتّم على هذه القضايا خصوصا من الأمهات، إذ يغرزن رؤوسهن في الأرض كما النعامة خوفا من كلام الناس".
"لا يوجد نموذج محدّد للمُغتصِب"
العنف الجنسي على الأقارب، والتعمّق في إشكاليات نفسيّة أخرى تتعلّق بالمسألة، من خلال لقاء مع حياة الورتاني الأخصائية النفسانية بالمركز. قبل تحليل نفسيّة الضحية كان لا بُدّ من فهم نفسية الجاني نفسه، فطرحنا السؤال "لماذا يقوم شخص ما باغتصاب أقرب الناس إليه؟" أجابت حياة "حسب الدراسات، لا يوجد نموذج مُوحّد، ربّما تكون نسبة منهم قد تعرّضت للعنف، أو بعضهم لم يقتنع بقانون الطبيعة والأخلاقيات الحاكمة للإنسان، والبعض الآخر يرى في المرأة ملكية خاصّة يستخدمها كما يشاء" وتواصل حياة "هذا مرتبط بالنظرة الدونية للمرأة واعتبارها عورة، وبالتالي كثيرا ما يبحث الناس عن السبب في جسد المرأة كمُثير أساسي، لكنني أؤكّد أن العنف لا يجب أن يُبرّر".
لهذا العنف، حسب الأخصائية الاجتماعية، تأثيرات نفسية وجسدية على الضحايا قد تؤدّي إلى تكوّن عُقد نفسيّة لديها. أما أهمّ التأثيرات، فهي حالات الاكتئاب، وتفسّرها حياة لنا بإسهاب "تغرق الضحيّة في حالة من الحزن تدوم لأكثر من خمسة عشر يوما، وحالة من التعب النفسي تظهر مع قلّة التركيز والنسيان، وحالة من التعب الجسدي تبرز في الإرهاق الزائد. يصبح الشخص أيضا حسّاسا أكثر من اللازم فيبكي دون أي سبب." بعد الصدمة التي عاشتها الضحية، تدخل في حالة توتّر كبيرة يُصاحبها الإحساس بالاختناق والشعور بالإغماء كأنما الموت قريب منها، كما تعيش الضحية دائما المشهد نفسه أمام عينيها، وتمرّ بأزمة نفسية قوية تسبّب لها الأرق والألم الشديد، لكنها ليست بالحدة التي توصلها إلى الاكتئاب، وهنالك أيضا إحساس بالخجل يتملّك الضحية.
حالة أخرى مرّت بالمركز سنة 2010 حصلت في مدينة صفاقس في جنوب تونس، وهي قضيّة "عطّار" أي صاحب دكّان مواد غذائية لم يكتف بالتحرّش بفتاة في سنّ العاشرة بل أقام معها علاقة جنسيّة كاملة. ما يلفت الانتباه في هذه الحالة أن الجدّة اكتشفت الأمر حين لاحظت أن البنت كانت تلاعب ابن عمّها لعبة الجنس، هذه القضية لا تدخل في إطار زنا المحارم، لكنها تفتح الباب لملفّ جديد قد نطرحه في وكالة أخبار المرأة "ما هي تداعيات زنا المحارم على الضحايا؟ وكيف يمكن معالجتهم وإعادة المفاهيم الطبيعية للأخلاق إلى نِصابها لديهم؟"


