أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

عمل المرأة ليلا في تونس : بين تطور المساءلة الاجتماعية و تدهور العلاقات الاسرية

ان الملاحظ و المتابع للوضع المجتمعي للمرأة في العالم العربي يلمس هوة كبيرة بين ما تحظى به التونسية من مكانة متميزة و مرموقة في مجتمعها مقابل وضعية معقدة و تحتاج الى المزيد من العمل النضالي و الصمود للمرأة في بقية الدول العربية الصديقة و الشقيقة ، و لعل من أبرز مكاسب التونسية اليوم هو حقها في العمل و حقها في الاستقلالية المادية فالعمل من أهم مقومات اثبات الذات البشرية باعتباره حصن حصين للكرامة ، فمارست المرأة في تونس العديد من المهن التي كانت تسمى "مهنا رجالية" ذلك فأثبتت جدارتها بكل ثقة في النفس متعدية بذلك الرجل في اتقانها و اخلاصها لعملها غير عابئة ان كان العمل في النهار ام في الليل لم يعد العمل الليلي يمثل عائقا للمرأة لان المجتمع التونسي تجاوز هذه المسألة فليس بغريب أن تعمل ممرضة أو صحفية أو مضيفة طيران أو اي عم آخر يتوجب حضورها ليلا فعندما تزور المستشفيات ليلا تجدها تعج بالعنصر النسائي أو مصحة أو المطارات فلاشيء يثير الدهشة أو الاستغراب لاعتياد العقل المجتمعي عليها في تونس و بالتالي أصبح السؤال عن نظرة المجتمع للمرأة العاملة ليلا بتونس غير مطروح و هذا ما يفسر تطور المساءلة الاجتماعية فحل مكانه سؤال يطفو قويا على سطح الموضوع وهو ما مدى تأثير العمل الليلي للمرأة على الأسرة؟

كما سبق و اشرنا ان العمل ليلا في تونس لا يمثل عائقا أمام المرأة لتحقيق طموحاتها و أحلامها بالزواج و الانجاب و تكوين أسرة لعدم غرابة هذه الظاهرة عن المجتمع و دخولها في النسيج الاقتصادي و الاجتماعي للبلاد الا ان المشاكل تظهر بعد مرحلة الزواج فيحصل تصادم في التوقيت أحيانا بينها و بين زوجها بحكم طبيعة عمل المرأة يكون موعد عودتها للمنزل صباحا مرهقة و متعبة بعد ليلة شاقة في ذلك الوقت نجد الزوج يهم بالخروج من المنزل للعمل فيكون اللقاء الصباحي لا يتجاوز الساعة في أسعد الاوقات هذا في حالة عدم وجود أطفال و الا فسيكون الزوج مضطرا على العناية بهم لغياب الام و حتى عند رجوعها للمنزل تكون مشغولة بإعداد الطعام و ترتيب المنزل و طبعا تنال قسطا من النوم لمتابعة الليلة القادمة في العمل هذا ما صرحت به إحدى العاملات بالمطار و هي متزوجة مضيفة " أنا أحب عملي فعملي الليلي به العديد من الحوافز المادية التي مكنتني من اقتناء سيارة و هذه من بين أحلامي، لكن بعد الزواج و رغم ان زوجي يعمل معي بنفس المؤسسة و لديه فكرة عن طبيعة عملي كان في البداية متفهما و متقبل الا انه بمرور الوقت و بمجيء ابننا بيرم إلى الدنيا أصبح الامر مملا بالنسبة له مما عقد الوضع ابني الذي يجد زوجي نفسه مضطرا للسهر معه ، حتى مردودي في العمل أصبح يتدنى ...بالي دائما مشغول...."

عديدة هي حالات ليلى لكن ليلى تشتكي و تتذمر دون ان تعرف الى اين يأخذها القدر أما في حالة أخرى منية طبيبة نساء فتقول أنها بحكم طبيعة عملها التي تستدعي منها الخروج في ساعات متأخرة من الليل و دون اي سابق انذار لضرورة قصوى لانقاذ روح بشرية تاركة زوجا يتذمر، و تكررت هذه الحالة مرارا حتى انها تتذكر انها يوم احتفالهما بعيد زواجهما اتصلت بها حالة استعجالية في منتصف اليل فاضطرت للخروج فانقلب الاحتفال الى مشادة كلامية و خناق....و تضيف منية "فرغم معرفة زوجي في بادىء الامر بطبيعة عملي الا ان الزوج التونسي طاقة استيعابه ضئيلة جدا فكان الانفصال نتيجة لخيانته لي !!! رغم كل ما يوفره عملي من امكانيات مادية و رغم القوانين التي أتمتع بها في عملي إلا ان هذه الامتيازات لا تحد من التأثير السلبي على العلاقات الزوجية " و سألنا منية هل ستواصل عملها؟ أجابت " طموحي لا يقف أمامه رجل مهما كان و الاكيد ان الحياة تستمر رغم الالم " .

منية تملك من القوة ما يجعلها صامدة رغم الفشل و متطلعة الى مستقبل أفضل ربما خبرتها في الحياة كونت منها امرأة 'يا جبل ما يهزك ريح' ،لكن قصة راضية تتحكم فيها نقطة ضعف وهي الأمومة ،راضية ممرضة ليلية قدمت ثلاثون سنة في خدمة الصحة العمومية بمستشفى حكومي و أم لثلاث أبناء تقول راضية " لم أجد مشاكل مع زوجي بحكم عمله الليلي هو أيضا في بعض الأحيان الا اني عانيت الميكالين في تربية أبنائي فطبيعة عملي سنحت الفرصة لابني الكبير للانحراف لعدم تواجدي بالمنزل ليلا فانقطع عن الدراسة مبكرا و لم اتمكن من احتوائه في الوقت المناسب ، أنا مضطرة للعمل ليلا لتحسين وضعي المادي و لاشتري لهم كل ما يريدون ل، انا لم اهملهم بل كنت أعمل من أجلهم لكنهم لا يقدرون تعبي و زوجي عادة ما يكون مرهقا و اعتاد على تحميلي أنا وحدي المسؤولية" .

من خلال دراسة هته الحالات يتبين لنا ان المرأة التونسية طموحها لا يمنعها من العمل ليلا رغبة في البحث عن حياة الرفاهية بحكم الامتيازات التي تحظى به الا انها في المقابل عادة ما تدفع فاتورة نجاحها المهني و تطلعها الى الافضل ماديا عندما تتزوج و تصطدم بالواقع المرير فتواجه العديد من المشاكل التي تؤدي غالبا الى الطلاق و الانفصال و الخيانة و انحراف الابناء ، ان هذا التقرير ليس ادانة لعمل المرأة ليلا فهي التي اثبتت جدارتها و كسبت ثقة رؤسائها في العمل و هي من اللائي يعتمد عليهن، بقدر ما هو تسليط نقطة ضوء على معاناة المرأة نفسانيا جراء تألقها عمليا رغم تطور المساءلة الاجتماعية في المجتمع التونسي الا انه كغيره من المجتمعات الذكورية يحمل المرأة وحدها المسؤولية خاصة في حالات الفشل و يحتاج الى مراجعة فكرية قد تستغرق عقودا... !!
تعليقات