الأرقام تفضح الواقع
يُعرف البنك المركزي الفقر على أنه الحالة التي يكون فيها 1 من بين كل 3 أشخاص يعيشون على 2 دولار في اليوم. وتشير منظمة "جالوب" العالمية في تقرير لها عن الفقر في العالم لسنة 2014 أن 80 بالمئة من سكان العالم يعيش على دخل يقل عن 10 دولارات يوميا، وأن مايقرب من نصف سكان العالم، أي مايزيد على 3 مليار شخص يعيش على دخل لايزيد عن 2.5 دولارا يوميا من هؤلاء 1.3 مليار يعيشون في حالة فقر مدقع ودخل لايتجاوز 1.25 دولار يوميا.وتشيرنتائج التقرير كذلك إلى أن مناطق إفريقيا تعيش أسوء أنواع الفقر في العالم، ففي 27 دولة مختلفة وتحديدا مناطق جنوب الصحراء أوما يعرف بأفريقيا السوداء بإستثناء دول شمال إفريقيا يعيش 54 بالمئة من تعداد السكان فيها في فقر مدقع أي 1.25 دولار في اليوم، نسبة 1 بالمئة في المناطق المتقدمة إقتصاديا مثل أستراليا، نيوزيلاندا، كندا... أما في مصر فحدث ولاحرج، فعلى حسب دراسة لمؤسسة " بلومبرج" الأمريكية، المهتمة بشؤون المال والمتخصصة في قضايا الإقتصاد والأعمال والتي شملت 59 دولة في العالم تعاني من أزمات إقتصادية، فإن مصر سادس أكثر دول العالم فقرا، حيث تجاوزت البطالة فيها حاجز 13 بالمئة من عدد السكان القادرين على العمل. كما يصف بعض الخبراء الإقتصاد المصري بـ "الكارثة" لما يشهده من أوضاع متردية، وهو ما يؤكده أيضا الجهاز المركزي لتعبئة والإحصاء في مصرفي بيان له يشير فيه إلى أن نسبة الفقر المدقع في مصر إرتفعت إلى 48 بالمئة، كما أكد البيان أن 12.6 من السكان المصريين يعانون من الفقر المزمن "الفقر طويل المدى"، مضيفا أ، نسبة الفقراء طبقا لمقياس الفقر متعددة الأبعاد والذي يتضمن فقر التعليم والصحةزمستوى المعيشة تبلغ 10.5 بالمئة لإجمالي الجمهورية، بما يمثل 8.5 مليون نسمة طبقا لعدد السكان في منتصف عام 2011. أما العراق فلها نصيبها من الفقر حيث حذرت الأمم المتحدة من أن 6 ملايين عراقي لايزالون يعيشون تحت خط الفقر على الرغم من غنى البلد بالموارد الطبيعية والبشرية وإنتاجه أكثر من 3 ملايين برميل من النفط يوميا. وغيرها من الدول النامية التي تطول القائمة في ذكرها ويزيد سردها من سوداوية المشهد في الدول النامية، غير أن المعطيات تشير إلى أن آفة الفقر إنتصرت على الأمم، إذ لم يعد يقتصر على الدول النامية فقط بل تجاوزها ليُلقي بظلاله على الدول المتقدمة والغنية التي أصبحت ترسخ تحت وطئة الفقر وتتعاطى نفس الدواء الذي تصفه للآخرين. ففي أوروبا وآسيا الوسطى، ووفقا لبيانات البنك المركزي فإن نحو 80 مليون شخصا يعيشون على أقل من 5 دولارات يوميا. أما في سويسرا فتشير تقديرات منظمة "كاريتاس سويسرا" أن عدد الأشخاص الذين يعيشون ظروف صعبة وهشة يقارب المليون أغلبيتهم من الأطفال 250 ألف منهم يعيشون في عائلات فقيرة. أما الولايات المتحدة الأمريكة، القوى العظمى فلم تسلم هي الأخرى من براثين الفقر، حيث أشارت إحدى الدراسات التي أجراها معهد "بروكينجر" إلى أن المشكلة الفقر في أمريكا في تزايد مستمر خاصة في مناطق الغرب الأوسط والجنوب، حيث أن مايقرب 40 بالمئة من السكان الذين يقطنون المناطق الفقيرة يعيشون تحت خط الفقر وفقا لمعايير الحكومة الأمريكية. وكشفت نفس الدراسة أن هناك أحياء في أمريكا يوجد فيها أعلى تجمعات للفقر المدقع مثال لذلك منطقة "مكالين" التابعة لولاية تكساس، وتليها منطقة "الباسو" في تكساس أيضا، ثم منطقة " ممفيس" بولاية تنيسي.
الفقر الغذائي
حسب التقرير التي تصدرها منظمة الغذاء العالمية، أصبح الجوع جراء الفقر السبب الأول في الوفيات في العالم، حيث تزيد ضحياه على مجموع ضحايا أمراض نقص المناعة المكتسبة والمالاريا والتدرن الرئوي، وأغلبية ضحياه من الأطفال. كما أظهر تقرير لمنظمة "أنقذوا الأطفال" الخيرية أن سوء التغذية هو السبب الأساسي لموت 2.6 مليون طفل منهم 300 طفل يموتون كل ساعة، ووفقا لتقرير ذاته ثمة 170 مليون طفل تحت سن الخامسة توقف نموهم بسبب نقص الغذاء. كما أكد تقريرآخر لمنظمة الغذاء العالمية تحت عنوان "حياة خالية من الجوع:معالجة سوء التغذية للأطفال" أن وضع الأطفال يزداد سوءا بشكل كبير خاصة في بلدان مثل باكستان، بنغلاداش،الهند،بيرو ونيجيريا والتي تعد موطن نصف أطفال العالم الذين يعانون من التوقف في النمو الذي يعرف بالتقزم، كما يموت أكثر من 30 ألف طفل سنويا في أفغانستان بسبب سوء التغذية. كما تعاني اليمن أيضا من إرتفاع معدل سوء التغذية المزمن بين الأطفال وذلك حسب منظمة "اليونسيف" التي تشيرإلى أن نسبة النمو المتعثر في اليمن يبلغ 58 بالمئة، ويعاني حوالي 30 بالمئة من الأطفال في بعض المناطق من سوء التغذية الحاد،وهي نسبة تشابه ما يشهده جنوب الصومال حاليا، وتصل إلى ضعف الحدود المعترف بها دوليا والتي تنذر بوجود حالة طوارئ. وعلى حسب تقرير دولي صادر عن مكتب البنك الدولي بصنعاء فإن نسبة الفقر في اليمن ترتفع إلى 54.5 بالمئة من مجموع السكان الذين يزيد عددهم على 22 مليون نسمة.
الفقر الصحي
الفقر التعليمي
الفقراء والأغنياء والمعادلة الصعبة
إن من أبرز الأسباب التي تساهم في إستمرار تفشي ظاهرة الفقر في العالم هي التوزع السيئ لثروات في العالم، إذ ترتفع أسعار النفط وتنخفض، تعلو المباني وتناطح السحاب، ترتفع أسعار الأراضي وتوزع، وليس للفقراء من كل ذلك سوى الإستماع إلى أخبارهم دون أن يطالهم من كل ذلك أي شيء ينعكس على حياتهم ليرتفع بهم من تحت الأرض إلى سطحها. فالفقر يتزايد يوما بعد يوم رغم التقدم الذي أحرزته البشرية في شتى المجالات، ورغم جني الكثير من خيرات الكوكب التي يُجمع الخبراء على أنها كافية لتقديم الرفاهية لـ 6 مليارات من البشر الذين يعيشون فوقه لو تم توزيعها بالحد الأدنى من العدالة. وكما قال تابو إيمبيكي رئيس جنوب إفرقيا أسبق " إن العالم اليوم أصبح جزيرة أغنياء تحيطها بحار من الفقراء" فبهذه الكلمات يلخص الوضح المؤسف الذي يعيشه العالم، ففي حين تنشرالمنظمات الدولية أن 4.3 من سكان الأرض هم من العالم النامي، يعيش منها ما يقارب 3 مليارات تحت خط الفقر من بين هؤلاء هناك 1.2 مليار يحصلون على أقل من دولار واحد يوميا، توضح في المقابل إحصائيات غربية بالأرقام أن الدول الصناعية تملك 97 بالمئة من الإمتيازات العالمية، وأن الشركات الدولية عابرة القارات تمتلك 90 بالمئة من إمتيازات التقنية والإنتاج والتسوق، وأن أكثر من 80 بالمئة من أرباح إجمالي الإستثمار الأجنبي المباشر في البلدان النامية يذهب إلى 20 دولة غنية. كما أن في حين تنشر منظمة الصحة العالمية أن في البلدان النامية هناك 33 بالمئة ليس لديهم مياه صالحة للشرب و20 بالمئة يفتقرون لأبسط الخدمات الصحية الإعتيادية، و20 بالمئة من الأطفال لا يصلون لأكثر من الصف الخامس الإبتدائي و20 بالمئة يعانون من سوء التغذية، في المقابل تبلغ ثروة ثلاثة من أغنى أغنياء العالم مايعادل الناتج المحلي لأفقر 48 دولة في العالم، كما أن ثروة 200 أغنى أغنياء العالم تتجاوز نسبتها دخل 41 بالمئة من سكان العالم مجتمعين، بحيث أنهم لو ساهموا بـ1 بالمئة من هذه الثروات لغطت تكلفة الدراسة الإبتدائية لكل الأطفال في العالم النامي وذلك طبعا على حسب دراسات لخبراء. وبينما يموت 22 ألف طفل يوميا بسبب الفقر والجوع والمرض، ويقضي خمس سكان البلدان النامية بقية اليوم وهم يتضورون جوعا، في المقابل تصرف الولايات المتحدة الأمريكية وحدها سنويا أكثر من 55 مليار دولار على تغذية الحيوانات المنزلية كالكلاب والقطط...وذلك على حسب الإحصائيات المنشورة من قبل رابطة منتاجات أغذية الحيوانات الأليفة الأمريكية. وبالتالي فإن توزع الغير متكافئ لثروات في إلى الجانب التلاعب في تحويل مجاري الوضع الإقتصادي العالمي إلى عملية نهب ثروات، خاصة في البلدان النامية حيث لا أغلب الحكام إلا في كيفية تهريب ثروات بلدانهم وتجميدها في البنوك الغربية، عوض إستثمارها وإنعاش المشاريع التنموية داخل بلدانهم من أجل الإرتقاء بشعوبهم إلى مستويات أفضل .
الحروب والصرعات السياسية
لعل من أهم إنتشار الفقر وهشاشة التنمية البشرية في العالم النامي، يكمن في وقوع الكثير منها في بؤرة صراعات إقلمية ودولية، إستمر بعضها كإمتداد الأثارالحقبة الإستعمارية، وإستجد بعضها الآخر في خضم الصراعات السياسية والإجتماعية، والحروب الأهلية التي أنتجتها الأنظمة الحاكمة، وما خلفته من دمارلايقبله أي مبدأ عقل سليم. ففي العقد الماضي سجلت الحروب أزيد عن 5 ملايين قتيل ومثلهم متشردين وفقراء، ودمرت العديد من الموارد والمؤسسات وإنهار إقتصاد تلك الدول وهو مايؤكده التقرير الرابع للأهداف الإنمائية للإلفية 2013 للأمم المتحدة والتي تشير فيه إلى أن المكاسب المحدودة في مجال مكافحة الفقر التي تحققت في العقد الأول من الألفية الثالثة تبدد بسبب التحولات السياسية و النزاعات،التي توسع بدورها دوامة الفقر والبطالة والجوع. وقد ضرب التقرير مثالا على ذلك" في الجمهورية العربية السورية تسبب النزاع الذي إندلع مؤخرا بإهدار عقد كامل من التقدم، فبعد أن إنخفض الفقر المدقع إلى 0.3 بالمئة لسنة 2007 عاد وإرتفع إلى 7.2 بالمئة لسنة 2013".وفوق كل هذا وذاك، تراكم عهود من سياسات الإفقار التي تتبعها الحكومات، وإستشراد الفساد والجور على الطبقات الفقيرة وإستغلاله، إلى جانب الإنفجار الديمغرافي... ويالتالي فإن آفة الفقر وإن لم يتم التصدي لها والقضاء عليها، فستأدي إلى عواقب وخيمة على البشرية ككل، لذلك أصبحت قضية الفقر في العالم حقيقة تؤرق ضمائرالنظام العالمي والمؤسسات المالية وعلى رأسها الأمم المتحدة التي عملت على وضع هدف القضاء على الفقر في العالم من أهم أهداف إنمائية الإلفية التي سوف تنتهي في سنة2015
ماذ حقق العالم لشعوب الفقيرة؟؟
يشير تقرير الرصد العالمي لسنة 2014 الصادرعن البنك المركزي وصندوق النقد الدولي، أن قدرا كبيرا من النجاح قد تحقق في مجال الحد من الفقر المدقع. وفيما يتعلق بالهداف الإنمائية للألفية يؤكد التقرير أن الهدف المتعلق بالفقر قد تحقق قبل ثلاث سنوات من الموعد المحدد لتحقيق هذه الأهداف لعام 2015. كما يؤكد رئيس البنك المركزي أن نسبة السكان في العالم الذين يعيشون في فقر مدقع قد إنخفض بنحو 20 بالمئة عام 2010. كما يشير تقرير لمنظمة "جالوب" العالمية عن الفقر في العالم، أن الصين التي تعد أكثر دول العالم من حيث تعداد السكان، قد إنخفض معدل الفقر فيها نظرا لنمو الإقتصادي الذي تشهده، حيث إنخفضت نسبت أولئك الذين يعيشون على 1.25 دولار في اليوم من 26 بالمئة في عام 2008 لتصل إلى 7 بالمئة في عام 2012. ووفقا للأحدث دراسة لمنظمة "اليونسيف" فإن معدل الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة في إفريقيا قد تراجع من 177 حالة وفاة لكل ألف ولادة في عام 1990 إلى 98 حالة لكل ألف ولادة في عام 2012. كما خرج ملايين الأشخاص من دائرة الفقر في دول مثل الهند، البرازيل وأيضا إفرقيا حيت تراجع عدد الفقراء فيها بـ 3 بالمئة خلال 30 عاما. كما ساندت مجموعة البنك الدولي بينعامي 2003 و2013 خدمات التغذية الأساسية للأكثر من 211 مليونا من النساء الحوامل و الأمهات المرضعات والمراهقات و الأطفال. وإرتبطت مؤسسة التنمية الدولية بتقديم مبلغ قياسي أكثر من 22 مليار دولار في السنة المالية 2014 لحفز النمو الإقتصادي وتعزيز الرخاء المشترك ومكافحة الفقر المدقع. ففي جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية فقد تم تحسين القدرة على الحصول على خدمات الطرق والتعليم والمياه النظيفة والعاية الصحية من أجل 650 ألف شخص من أفقر المجتمعات الريفية النائية من خلال صندوق تخفيض أعداد الفقراء الذي أُنشئ عام 2003. كما شهدت نيبال إنخفاض بنسبة 50 بالمئة في عدد السكان الذين يعيشون على أقل من 1.25 دولار يوميا. أما على الصعيد العربي فقد شهدت مصر على الرغم من زيادة معدل الفقر العام، تراجعا في الفقر المدقع إذ وصل إلى 4.4 بالمئة من السكان وذلك حسب الجهاز المركزي لتعبئة العامة و الإحصاء. ولكن وعلى الرغم من كل هذه الجهود العالمية وحتى المحلية للقضاء على الفقر إلا أنها تعتبر غير كافية للقضاء على الفقر وإنما يجب إيجاد حلول أكثر نجاعة وواقعية لبلوغ الهدف المنشود.
الواقع يدحض الإدعاء
على الرغم من الإنخفاض السريع الذي يشهده العالم في مستويات الفقر على مدى العقود الثلاثية الماضية، فإن البشرية لاتزال تواجه تحديات ملحة ومعقدة، فأكثر من مليار شخص مازالو يعيشون في فقر مدقع وهو أمر غير مقبول أخلاقيا على ضوء الموارد والتكنولوجيا المتاحة لدينا اليوم، وفي الوقت نفسه فإن إزدياد عدم المساواة والإقصاء الإجتماعي يبدو أنه يصاحبه أرتفاع وزيادة في الرخاء في العديد من البلدان. وفي ظل هذه الظروف فإن العالم أحوج ما يكون اليوم من أي وقت مضى لبناء عالم بلا فقر وذلك من خلال تعزيز الرخاء المشترك من أجل تحقيق زيادة مستدامة في رفاهة القطاعات الأكثر فقرا في المجتمع. فبلدان العالم العربي شهدت إنجازات محققة أقل بكثير من مستوى الطموح مما يعني أن العرب سيدخلون إلى المرحلة الثانية من الأهداف الإنمائية حتى 2030 مثقلين بإخفاقات المرحلة الأولى، لذلك فهي بحاجة إلى أكثر من الإعانات المالية وتقديم الغذاء والخيام والخبرات الإدارية والفنية، وإنما هي بحاجة إلى إعتماد طرق أخرى أكثر فاعلية على المدى البعيد لمعالجة هذه الآفة الآخذة في التفاقم. فالبلدان العربية بحاجة إلى إختيار حكومات نزيهة ومتمكنة، قادرةعلى خلق برامج تكاملية تستقرر على أسس تنظيمية تعاونية بين جميع القطاعات والمنظمات الحكومية والغير حكومية. وإنشاء مؤساسات ديمقراطية تضمن العديد من المهام التي ترتقي بالشعوب والمواطنينالأكثر حاجة للمساعدة للأفضل من خلال حياة واقعية وعمل دؤوب إلى جانب محاربت الفساد الذي يمكن دحره والقضاء عليه بأمل في غد أفضل.
