ما أجملها صورة التي اجتمعت فيها القيم الراقية الأصيلة فالكرم و الشهامة من شيمنا و التقدير و الاحترام و التبجيل للمرأة من أخلاق ديننا....فاليوم لا نكاد نسلم من الألسنة البذيئة و الدنيئة و الحركات الصبيانية من بعض الرجال و هذا ما جعلني انتبه لشيء ربما هو من الأسباب الأساسية للمعاكسة التي تتعرض لها المرأة في الشارع.
فسئلت أبي قائلة: هل كانت جدتك تتغطى بلحاف 'السفساري'؟
كان الاستعمار متغلغلا في جسد المجتمع و يملئه بآفات الفقر و عاهات الجهل و التهميش, فالرجل لا يسمح للمرأة بالخروج وحدها بينما يحتفي بها في السوق ويحمل لها كل التقدير و الاحترام و يأتي لها بالهدايا تعبيرا عن تبجيله لها , و النساء كن لا يخرجن للعمل إلا في الحقول مع أزواجهن بينما كان يعول عليهن كثيرا في العديد من المهام الصعبة لمقاومة الاستعمار فكن يزودن الفلاقة في الجبال بالطعام و يتكبدن المخاطر لإعانة الرجل, صور متناقضة جدا فالرجل نظرا لفكره السلطوي الذكوري يرى نفسه الأقوى و المرأة كائن ضعيف و واجب عليه حمايتها ولكنه يعول عليها في مهمات خطيرة هذا من جهة و من ناحية أخرى يمنعها من الخروج خوفا من أن تراها الأعين الخبيثة فتنهك من شرفه و لكنه يهرول إليها بالهدايا عندما يلمحها في السوق !!!!
هذه الصور تعكس تناقضا جليا في سلوكيات المجتمع فالأب هو السلطة التشريعية و التنفيذية في الأسرة وهذه السلطة التي يحاربها بعض أنصار حقوق المرأة لأنها تغلغل في المجتمع فكرا سلطويا ذكوريا بامتياز لكن إذا ما تمحصنا جيدا نراها تحمل في طياتها معاني و قيم راقية جدا يمكن أن تكون بوعي أو عن غير وعي و هنا يكمن الخلل المجتمعي وهو ما يسميه علماء الاجتماع اليوم 'سكيزوفرينيا المجتمع' و يعني الانفصام في الشخصية , فالرجل كبُر و ترعرع على أمثلة شعبية تكرس تبعية المرأة له (' الرجل رجل و المرأة مرأة' ) و (' لا ينحي شاشية على ولية' )بمعنى الله لا يحرم امرأة من زوج او رجل يحميها و هذا موجود منذ نشأة الإنسانية من الجاهلية إلى الآن حتى في البلدان المتقدمة نجد تاريخها حافل بالمظالم تجاه المرأة و هذا بحد ذاته موضوع آخر معقد و لكن على الأقل في تونس قبل الاستعمار كانت للمرأة حظوة و مكانة و قيمة إن بدت صغيرة فهي تتماشى و محدودية الثقافة و المعرفة لأفراد المجتمع في ذلك الحين لكنها تحرم جدا اذا ما عرفنا ان الغرب في زمن ما كانوا يبحثون هل المرأة كائن أم روح شيطانية و توصلوا إلى أنها شيطان !!! نعم المرأة أهينت في الغرب كثيرا و انتقصت من قيمتها و جردت من إنسانيتها المشروعة .
منذ الاستقلال و صدور مجلة الأحوال الشخصية تحررت المرأة أكثر فأصبحت تدرس و تعمل جنبا الى جنب مع الرجل و أصبح المجتمع يتعود على صورة المرأة الجديدة و كان الآباء في أغلبهم يشجعون بناتهم على التعلم لم تكن هناك عقد و كان الاحترام سيد الموقف حتى عند ظهور موضة 'الميني جيب 'في السبعينات لم تفقد المرأة مكانتها بمجرد الحكم عليها ظاهريا و سطحيا كانت تحترم حريتها الشخصية في لباسها.
طلبات بدت جريئة هزت كيان الرجل فكنا نسمع دوما 'النساء لم يتركن شيئا للرجال' و أفكار صادمة لمجتمع ذكوري بامتياز ربما كان يمنح للمرأة, حسب اعتقاده, أغلب هذه الحقوق بإرادته أو بغلبة نازع باطني فطري يجعله يقوم دوما بدور المسؤول عن حماية المرأة و انها دائما في حاجة اليه لتحقيق أمنها فالقوانين بالنسبة اليه لا مبرر لها مما يفسرعدم نجاعتها على أرض الواقع و يعكس حالات العنف المتزايد التي تتعرض لها المرأة وهذا الخطر بعينه.
من يتحمل مسؤولية تردي العلاقة و تأزها بين الرجل و المرأة اليوم ؟ هل المرأة أذنبت حين طالبت بالمزيد من الحقوق و بجملة من القوانين تحمي بها حقوقها؟ هل حصل نوع من الاستفزاز لكيان الرجل باعتباره دوما يجد نفسه محل اتهام ؟ هل فتحت المرأة باب العنف لنفسها
