- أبي أريد أن أبقى معك دائما، أريد أن أكون سكرتيرتك.
- أجل سوف تكونين سكرتيرتي وتبقي معي دائماً.
- أبي لا أريد أن أتزوج، أريد أن أبقى معك.
- أجل، سوف تبقين معي.
( منذ موت والدي، كل شيء في حياتي تغير، ليس بمعنى المأساوية ولكن بمعني أنني ارتبطت معه في عالم الموت، بإدراكي أن الجسد يفني وتبقى الروح، فهو لم يمت أبداً في قلبي، ولم يغادر ذكرياتي ولو ليوم واحد، وكل تلك الأوقات التي قضيتها معه لا تسبب ألم الفقد بالنسبة لي بل تجلب لي السعادة لأنني أكاد قول شبعت من حضوري معه ومن وجوده في حياتي، امتلأت حياتي به وبكلماته حتى بحركات جسده وردود أفعاله؛ أحيانا قبل ان أنام أتذكر كيف كنا نمشي معاً وكل الكلمات التي كان يقولها لي، أتذكر كل تفاصيل الحياة معه، وأدرك وفي كل سنة أعيشها وبشكل أعمق بأنني كنت صديقة والدي وكان صديقي الوحيد. وأنني لم أحب ولن أحب أحد مثلما أحببت والدي، ليس لأن هذه طبيعة الأشياء ولكن لأنني لم أقابل أي فتاة في حياتي حدثتني عن صداقة ما لها مع والدها؛ لم أشعر بذلك التقارب الروحي الذي كنت أشعر به مع والدي مع أي انسان آخر؛ لذلك حين رحل لم أحزن كثيراً لأنه معي رغب الغياب، ولأنني أعتبر أن الموت الحقيقي هو النسيان، وأنا لا أنساه، ولدي الكثير من الذكريات معه التي تؤنسني وتملأ حياتي دفئاً وحناناً.)
- ولكن ما سبب هذه الصداقة؟
فكرت كثيراً بكلماتها ولعدة أيام، وأدركت أن غالبية الأبناء ينتظرون الحب من الآباء منذ الصغر ومن النادر أن يمنح الابن الحب الكبير لوالديه لأنه يعتقد أنها مهمة الآباء خصوصاً في علاقة الأب وابنته، فالأب هو الذي يهتم وهو الذي يمنح الحب وهو الذي يراعي شؤون الأسرة، ولكن هي منحت لوالدها حب غير محدود منذ الصغر، وعبرت عن ذلك التعلق في كل المواقف، لذلك نشأت تلك العلاقة النادرة، لأنها لم تنتظر أن يمنحها الحب بل بادرت به كأنها هي الأم الأخت والصديقة.
