فالحقيقة هي أننا لا نتغير، وأننا مثل الأشجار، فالشوك لا يتحول لورود، وشجرة السفرجل لن تكون شجرة تفاح؛ ولكننا نتحور، نتبدل، تمر علينا عوامل التعرية التي تُزيل جزء من السطح الخارجي، تضيف ذرات أخرى له، تمنحنا شكل آخر مع مرور الزمن أشد جمالاً أو أكثر قبحاً ولكننا في الحقيقة وفي جوهر ذواتنا لا نتغير.
فالعاشقة التي تعتقد بأن الحبيب سيتغير بعد الزواج تعيش وهم تبنيه لتُرضي علقها الباطن الذي يحتج بصمت على وضع يدرك بحكمة بأنه سيقود للتعاسة وللفشل، ولذلك نرى هذا الكم الكبير من فشل العلاقات الزوجية لأنه زواج مرهون بشرط التغيير الذي لم ولن يحصل وأن حصل فهو مجرد تحور من حالة لحالة أخرى، وهذا يقود المرأة المُحبة أو الرجل العاشق إلى مواجهة الوقائع وليس الغرق في الأمنيات، فما يقرره المنطق لا يمكن أن تلغيه العاطفة، حين تخبرك روحك بأن هناك شيء ما غير سليم لابد من الاستماع لنداء الروح، وحين تتم المواجهة النادرة مع العقل بأن هذه علاقة فاشلة لابد من اتخاذ قرار حكيم دون الالتفات إلى المشاعر، لأن المشاعر في أغلب العلاقات ليست سوى عنصر مُضلل للحقائق.
نحن نتحور في حالة الحقد والخبث، يقرر الانسان أنه لابد أن يتجاوز حقده وخبثه وأن يتغير ولكنه في الحقيقية يتحور بأن يصطنع أشكال جديدة لخبثه وحقده، يقول إنه لم يعد يحقد وأصبحت روحه نقيه من الخبث ولكن عند أول المواقف وأبسطها حين يُستفز ذلك الحقد من جديد وحين تثور الغيرة يعود الانسان لحالته الأولى ولكن بشكل متطور أكثر لأنه أدرك بأن الآخرين اكتشفوا حقيقته الخبيثة فيرتدي قناع جديد يلائم حالة الاكتشاف هذه ويناسب رغبته الدفينة التي لم تفارقه حتى في لحظات تصميمه على أن يتغير.
نحن نتحور لأن ذلك هو الأسهل، أما التغيير الحقيقي فهو أشد العمليات صعوبةً وتعقيداً على الإنسان، لأن التغيير يعني مقاومة شيء متجذر في الذات والشخصية ويحتاج لجهد كبير لننتزعه من هذه الذات ونزرع مكانه صفة أخرى أو جزء من شخصية أخرى، أن يتغير البخيل ليصبح كريم هو أن يصبح انسان آخر، أن يتغير الانسان الجاف ليصبح أكثر عاطفية هو أن يصبح انسان آخر، بينما أن يتحور البخيل لشخص أشد بخلاً هو الأسهل، أو أن يصبح بخيل ببعض الأمور وكريم في أمور أخرى فهذا أسهل وهو ما ينطبق على جميع الصفات الإنسانية ومتناقضاتها.
