أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

هل الأمومة والأبوة تقتصر على مرحلة الطفولة؟
إلى أي مدى الأمومة والأبوة يسمحان بتقليص شخصية الأبناء؟
هل كوننا آباء نسمح لأنفسنا بكل التجاوزات والتناقضات؟

في مجتمع يميل إلى إنكار الأخطاء ويعتمد ثقافة إلقاء اللوم على الآخر ويتجنب مواجهة الحقائق لأنه لا يريد معالجتها لأنه ذلك العلاج لا يتم إلا بمواجهة واقعية مع الذات واعتراف راقي بالخطأ. في مجتمع يحب إلقاء اللوم على الأبناء وأنهم حين ينجحون فهو ثمرة جهد الآباء وحين يفشلون يصبحون المتفردين بالخطأ والفشل ويصبح دور الآباء اللوم والنفور وربما تتشكل فجوة لا يمكن ردمها.

فإلى أي مدى يملك الآباء حق السيطرة على حياة أولادهم وبأي الوسائل؟ هناك آباء سطروا نماذج رائعة للتفاني والنجاح والمعاضدة لأولادهم حتى في حالة الفشل، لا يتخلون عنهم، يدعموهم بكل الوسائل المادية والمعنوية لأنهم ببساطة لا يستسلمون ويؤمنون بأولادهم. وهناك آباء يمتلكون كل الوسائل المادية ولكنهم فقراء في الناحية المعنوية بل يشكلون خطر على الحالة النفسية لأبنائهم، وما قد يُحدثه الفقر من معاناة يبدو أقل خطراً مما يسببه الاضطهاد النفسي على شخصية الابن رغم توافر العنصر المادي وبوفرة.

هناك فارق كبير لابد أن نعترف به بين الأمومة والأبوة بمرحلة الطفولة حيث يقدم الآباء كل ما يحتاجه الأبناء بدافع الفطرة والثقافة والمساندة الاجتماعية والأسرية ثم رعاية المدرسة من جانب آخر، ولكن تتكشف حقيقة علاقة الأبناء بآبائهم بمجرد التخرج من الجامعة وبدء الحياة العملية، فكل الثغرات التي كانت في تلك العلاقة في السابق والتي لم تكن ظاهرة للعيان تتكشف الواحدة تلو الأخرى، لأننا وببساطة وبعد أن يتخرج الأبن تبدأ علاقتنا الحقيقة معه، نبدأ بالتعامل معه بشخصيتنا الحقيقية لأنه لم يعد يحتاج لتلك الرعاية المستمرة والتي تحيط كل جوانب حياته.

هذه العلاقة بعد التخرج من الجامعة وبدء الحياة العملية تأخذ منحى جديد لا يعترف به الغالبية العظمى منا، وهذه العلاقة خطورتها تكمن بأن الأبناء يكتشفون شخصية آبائهم الحقيقية دون ذلك الغلاف الناعم الذي يُسمى الرعاية الدؤوبة.

وبمدى عمق نضج الآباء وتفهمهم لشخصية أبنائهم واحترامهم لأفكارهم واستمرار دعمهم المعنوي لهم رغم الصعوبات تحقق هذه العلاقة النجاح المطلوب، وبمقدار عدم توفر النضج وعدم القدرة على تقديم الدعم وإلقاء اللوم بمقدار تعثر تلك العلاقة. فبعد التخرج هناك علاقة جديدة تتكشف بين الآباء والأبناء. وحين لا يمتلك الآباء القدرة على الدعم النفسي حتى ولو كانت القدرة المادية ضعيفة، حين لا يشكلون مصدر أمان للأبناء وحين يرى الآباء بأنهم مركز الاهتمام وأن تلبية احتياجاتهم أتى دورها الآن، وأن الأبناء فشلوا في دورٍ ما كان يُنتظر منهم، وحين يغرق البيت في المشاكل والاضطرابات وتتقلص الرعاية القديمة لتصبح مجرد ذكرى ويبدأ دور جديد من العدائية والنظرة السلبية لكل ما يحققه الأبناء، وحين تنكمش شخصيتهم أمام تلك الكلمات الجارحة وحين يتحولون إلى عبء في نظر الآباء فحينها لابد لهم من أن يهربوا من هؤلاء الآباء، لابد أن يجدوا طريق آخر أكثر عطفاً عليهم وأكثر ثقةً في قدراتهم، نستطيع مواجهة كل الصعوبات ولكن التدمير النفسي المتكرر والمتعمد لا يمكن لأحد مواجهته إلا بالهروب إلى أرض الله الواسعة حيث قد يجد الابن من يحنو عليه ويساعده ويقدر ما لديه من أمكانيات.

لابد من الهرب من الآباء الذي يدمرون ما قدموا لسنوات طويلة ويدمرون ما تم بنائه في عقول أبنائهم ونفسياتهم، من حق الآباء بر الوالدين والاهتمام بهم ولكن ليس من حقهم تدمير ذوات أبنائهم بسبب الأنانية أو بسبب الإحباط الذي يشعر به الآباء. وحين يهرب الابن ليجد ذاته في مكانٍ بعيد وينجح في إيجاد تلك الذات وفي استعادة الثقة بنفسه، حينها فقط يمكنه أن يعود ويبر والديه دون أن يكون لهم أي سلطة تدميرية على ذاته، يعود بدافع المحبة وبر الوالدين ولكنه يكون قد رسم حدود لا يجب أن يسمح لأحد بتجاوزها حتى ولو كانوا والديه.
تعليقات