تقف أمامه لتودعه
تُلقي النظرة الأخيرة
والدموع تغالب الأنفاس
بيت من حجارة
ولكنك تقف أمامه لتودعه
كأنه حبيب وصديق وأب وأم
بمجرد النظر إلى حديقة بيتٍ ما من الخارج يمكنك معرفة جزء كبير عن أهل هذا البيت، فالبيوت تحمل الصفات والبصمات، تخزن الحزن، وتسجل الضحكات، تكتم الألم وتبوح بالحب، لا تنسى الأموات الرحماء وتكره الأحياء القساة، لذلك البيوت فقط هي التي لا يموت بها الرحيم حتى ولو غادر جسده، تبقى تلك الرحمة التي رافقته في حياته بصمة على الجدارن وذكرى في القلوب، والبيوت فقط هي من تفضح القساة لأننا بمجرد أن ندخل بيوتهم تلفحنا نسمات باردة جافة تدفعنا إلى المغادرة دون سبب واضح.
بيوت تقول لك أن أهلها سعداء، وبيوت تقول لك أنه هنا يوجد حزن عميق، وبيوت تطردك بمجرد أن تقترب وبيوت تحتضنك وتناديك حتى ولو كنت تريد الإبتعاد، إنها صورة مجسمة عما يعتمل في أرواحنا وأفكارنا ومشاعرنا، إنها المنحتوة الحقيقة والفطرية لحقيقتنا ولا يمكنها أبداً إخفاء الحقيقة. البيوت ليست حجارة لأنها تحمل أرواحنا وصورنا، ذكرياتنا ونسياننا، حتى أرواح الأموات لا تغادرها فلا نزال نشم رائحتهم رغم رحيلهم الطويل، لا تزال تحتفظ بأصواتهم بين الغرف والصالات، إنها ذكرى الحجرية لما ننساه، إنها الدفء العميق حين يعترينا برد الغربة أو جفاء القلوب، إنها الحضن الدافيء حين يتحول الخارج إلى صحراء جليدية أو غابة همجية.
ندخل بيوتنا لنبدأ حياة جديدة ننجب الأطفال ثم الأحفاد وننسى كم أن هذه الجدارن غالية وحين يأتي الرحيل نشعر أننا أصبحنا حجر في ذلك الجدار أو قطعة خشب بذلك الباب، ففي البيوت فقط تمتزج الأرواح بالجمادات وحتى الأثاث يصبح لها قصة وأمل وحلم. فلماذا نبكي رحيلنا عن البيت الذي نحب رغم أنه جماد رغم أنه يوجد بيوت أجمل منه؟ لماذا هذا الحنين الأبدي لبيت الطفولة رغم أنه ليس سوى حجارة؟
لأننا أينما ذهبنا نترك جزء من ارواحنا حيث نكون، والبيوت أشد إخلاصاً من البشر وذاكرتها أبدية ولا تفني إلا بفناء الجمادات، حتى أنها تحزن لفراق أصحابها فتتحول بعد سنوات الهجر إلى أطلال، البيوت لا تحتمل الفراق مثل من البشر، بل تبدو أحياناً أكثر رقة من البشر لشدة تعلقها بمن يحيا بها، فتتهاوى من سنة وأخرى إلى أن تصبح أطلال تبكي الذين رحلوا.
