وهذا الوصف قد ينطبق على معظم نساء الشعوب العربيّة في سيدي رمضان كما يصطلح عليه التونسيّون، إذ تكثر الشهوات والأطايب، وتتكفّل معظم النساء فيه بتحضيرها وتوفيرها. فتتقدّم الزوجات والأمّهات والبنات لهذه المهمّات الجسام بأوصاف امرأة بديع القرن الرابع للهجرة مع شكل حداثي ومعاصر، فتكون الخرقة ميدعة للمطبخ باذخة بألوان الفواكه والغلال، أمّا التنّور فيستحيل فرنا غازيّا أوإلكترونيّا، يكفي أن تضغط على زرّ فيه حتى تشتعل أحد عيونه في هدوء، وتبدأ الأواني والصواني والمقالي في الغليان والفوران، ومنها تنبعث أطيب الروائح بما تجود به أناملهنّ من أفاويه التوابل والفلفل والكمّون إلى الكرَوْياء والقِرْفة، والزنْجَبِيل. فتجد الواحدة منهنّ تدور من الفرن إلى الثلاجة، ومن الثلاجة إلى المجلي، تحيط بها أدوات المطبخ الكهربائيّة والبلاستيكيّة المتنوّعة من خلاّط كهربائي إلى عجّان للكيك والكريمة وخفّاقة البيض وفرّامة اللحم..، فضلا عن الطواقم المختلفة من طقم ملاعق وسكاكين إلى طقم أكواب الشاي وفناجين القهوة وطقم صواني ذات الحوافي المنخفضة لخبز البيتزا والفطيرة وغيرها، ومجموعة أطباق بلاستيكيّة للجبن والمخلّلات، ولمّامة السجّاد والقائمة طويلة وعريضة...
وفي المحصلة، ما يزال حجاب الذهنيّة الذكوريّة يقف فاصلا بين الرجال والنساء. وهو يتقوّى في شهر رمضان ويتعزّز ليغذّي عقليّة الاستغلال والاستعباد التي أودعت في عقولنا جميعنا جملة من الصور النمطيّة تعتبر فيها الطهو والمطبخ وكلّ الفضاءات الدّاخليّة من غرف وبيوت معاقل نسائيّة أمّا فعل الأكل وما سوى ذلك من استهلاك ونفع ومنفعة وريادة وزعامة وسيطرة كلّها من دور الرّجال وبحكم العادة أيضا.. وتمّ توارث هذه الأدوار حتّى بعد أن تشارك الجنسان رجلا وامرأة مقاعد الدراسة بجميع مستوياتها، وتقاسما وسائل النقل والشوارع في خطواتهم/ هنّ الحثيثة إلى مراكز أعمالهم/هن. إنّها ذهنّة نسجت حجابا فاصلا ومافتئ القوامون عليها يرمّمونها ويحافظون عليها ويرفعون لواء ذكوريّتها الانتهازيّة والاستعباديّة، وما انفكّوا يتصدّون لإنسانيّتنا التي تقتضي تشاركنا وتعاوننا في خطانا وطقوسنا ومقاصدنا، في بنائنا وحتّى في صراعنا ضدّ القوى التي تكرّس تأخّرنا وتتعمّد تجهيلنا.
ولا تتخيّلوا حينئذ أنّ الأمر بسيط وأنّه لا ضير في أن تواصل النساء في هذا النسق المقدّر لهنّ فالأمر أعقد من ذلك بكثير إنّه بناء نسيجي قاتل لحركة النساء، ويكفي أنّه قد بلغنا تمام شهر رمضان حتّى نرى النساء معظمهنّ منهكات متعبات لكثرة الأعباء المنزليّة التي تتراكم عليهنّ في شهر الصيام. وقد نورد ما يتناقله النساء على شبكات التواصل بعد الاحتفاء برمضان و"دبارات" كلّ نهار، وصور موائدهنّ الموشّات بأحلى الأكلات وأفانين المملّحات والحلويّات حتّى يأتي سجلّ " التعب" في فضاء المطبخ من تحضير وطهو وغسل للأواني، وهو تعب دوري مقيت قد لا يتمثّله الرجال ولكنّه تعب بكلّ المقاييس العلميّة والإنسانيّة في ظل غياب المساعدة والمشاركة من لدن الجنس الموقّر من الذكور سواء كانوا آباء أو أزواجا أو أبناء. ونحن في هذا الصّدد ما نزال نراهن على تغيير الذهنيّة التي حتّمت بحكم العرف والعادة أن يكون النساء جواري والرجال أسياد في زمن كلّ شيء فيه يتحرّك نحو الشراكة نحو التعاون نحو المشاركة، نحو المساواة..
