أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

حكومات كلّما جوّعت شعبها أكلت نساءها

الدكتورة : هاجر منصوري - تونس مع تمام شهر رمضان يحلّ عيد الفطر في معظم ديارنا العربيّة رغم كلّ النكبات والأزمات والأوبئة المستجدّة وغير المستجدّة. وفي تونس كما سائر البلدان العربيّة للعيد نكهته الخاصّة، بدءا بشراء ملابس جديدة للأطفال ثمّ منحهم "مهبة" العيد حتّى أنّه يسمّى بــ" العيد الصّغير" أي عيد الصغار فيه يفرحون ويمرحون. ولا غنى لاكتمال الفرحة من إعداد الكبار للحلويّات المتنوّعة من "غْرَيِّبَة" و"مَقْرُوض" و"يُويُو" و"وِذْنِينْ القَاضِي"، و" الصَّمْصَة" وغيرها من أفانين الحلويّات وأطيبها، مع تبادل الزيارات بين الأهل والأصحاب. ولكن جرّاء الوضع الوبائي عندنا وفرض حكومتنا الحظر الشامل قبل العيد بمدّة وأثناءه، خفت وهج بعض العادات، وتخلّقت عادات أخرى من قبيل "المعايدات الافتراضيّة"، وحتّى" المهبة الإلكترونيّة"، في حين تنفّست عادات قديمة الصّعداء بيننا ومنها عادة "حقّ الملح"، وهي هدية يقدّمها الزوج لزوجته اعترافا لها بما بذلته من جهد طيلة شهر رمضان في إعداد ما لذّ وطاب من أشهى الأطباق. فأكرم به من زوج! وأجمل بها من هديّة!  وتحيل تسمية "حق الملح" إلى مشهديّة اضطرار الزوجة في بعض الحالات إلى تذوّق درجة ملوحة الطعام وهي صائمة حتىّ تعدّل منها إكراما لأسرتها في تناول طبق لذيذ. وجزاء عمّا قدّمته في رمضان يكرمها زوجها بهديّة معتبرة يهبها إيّاها وفقا لطقوس خاصّة. تبدأ بعودة الزوج من صلاة العيد، فتستقبله زوجته في أبهى حلّة وزينة، ثمّ تقدّم له فنجان قهوة مع بعض الحلويات، فيترشّفه ثمّ يعيده إليها وفي داخله قطعة من ذهب أو فضّة خاتما أو قلادة حسب إمكانيّاته الماديّة. وما فتئت هذه العادة تندثر في ظلّ تراجع الإقبال على ممارستها في الأسر التونسيّة لدواع اجتماعيّة وماديّة. إلاّ أنّه في هذه السنوات الأخيرة شرع الحديث عن "حقّ الملح" يتردّد بشكل ملحوظ في وسائل الإعلام التونسيّة المرئيّة منها والمسموعة، وبدأت تقدّم جوائز باسم هذه العادة. وفي شبكات التواصل الاجتماعي أصبح حديث النساء هزلا أو جدّا يدور عن حقّهنّ في " الملح" خاصّة وأنّ إحدى التونسيّات وردتها سيّارة من زوجها السعودي هبة لها على " حقّ ملحها". وقد استضافتها بعض الإذاعات، وتحاورت معها، وهنّأتها، ورأت في الحدث إكراما منقطع النظير على جهدها في رمضان، وإن عبّرت لهم سعيدة الحظّ أنّ زوجها لم يذق حتّى من طعامها لأنّه في الظرف الراهن ليس معها.  وبعد كلّ هذا الصّخب الإعلامي بوسائله القديمة والجديدة حول " حقّ الملح"، فإنّنا نعتقد أنّه من الضروري الحفر في هذه العادة حتّى تتبيّن نساؤنا وشوابنا مرجعيّاتها ودلالاتها. فلا شكّ أنّ هذه العادة تتجانس مع السياق الذّي أنتجها في حياة أجدادنا وآبائنا آنذاك، في ظلّ تمثّل للعلاقات بين الجنسين يقوم على الفصل والتمييز بين عالمين متوازيين ومتراتبين: عالم للرجال يتأسّس على القوامة الذكوريّة وما يستتبعها من نفقة على الزوجة والأبناء وولاية في الزواج والطلاق وغيرهما وأهليّة في الأعمال وجميع المهام. وعالم للنساء يتأسّس على السلبيّة الأنثويّة وما يستتبعها من انغلاق على الفضاء الدّاخلي ومهامه، وتبعيّة شاملة للرّجل دينيّا وسياسيّا واجتماعيّا وثقافيّا وماديّا، وفي صميم هذه التبعيّة تندرج عادة " حقّ الملح" باعتبارها جائزة أو منحة للنساء المتزوّجات على دور برعن فيه، ويعتقد أنّه من مهامهنّ في المطلق والحال أنّه دور مصنوع ثقافيّا جنّدت فيه كلّ طاقات النساء في مجرّد الطبخ وملء البطون وحصرن في فضاء المطبخ والبيت في حين أنّ الأرض والمهام أوسع وأرحب من أن تختصر في سقوف وجدران، وطهي وأفاويه وترتيب .. فهل بعد كلّ هذا السياق يجوز الحديث الآن عن " حقّ الملح" والترويج له والتشجيع عليه كما تفعل بعض وسائلنا الإعلاميّة؟.  وعليه فإنّه لم تعد توجد مبرّرات لهذا الحقّ الآن، وإن لم نقطع بعدُ بشكل نهائيّ مع هذه التمثّلات ولا الذّهنيّة الذّكوريّة التي أنتجتها لأنّها ما تزال تعيش بين ظهرانينا. ولكن حينما يحيي الإعلام التونسي مثل هذه العادة فإنّه يغذّي هذه الذهنيّة الذّكوريّة، والحال أنّ المجتمع التونسي شهد وما يزال حراكا اجتماعيّا ونسويّا شرع من خلاله يقوّض هذه الذهنيّة وسلطتها التمييزيّة ويسعى إلى تشكيل مفاهيم جديدة تؤسّس لأرضيّة مشتركة بين الجنسين، وقوانين منظّمة للعلاقات بينهما قائمة على أساس المساواة في الحقوق والواجبات فضلا عن الإقرار بديناميكيّة الأدوار بينهما. ونحن ندعو القوامين على الإعلام إلى ضرورة مراجعة برامجهم وعدم الانحدار إلى مزالق خطيرة في مستوى التعاطي مع قضايا النساء والشّان النسوي بما في ذلك تكريس مفهوم التبعيّة والاسترقاق عوضا عن تكريس عادات المشاركة والتعاون في شهر رمضان وسائر الأيّام حتّى لا تنهك النساء وتنتهك حقوقهنّ.  وختاما، لا نرى راهنا أن ّالنساء بحاجة إلى "حقّ الملح" ولا "حقّ السكّر" هبة من أزواجهم لهنّ في عيد الفطر...وإنّما هنّ بحاجة إلى واجب الشراكة غير المشروطة بينهنّ وبين الرجال في جميع المجالات والفضاءات وفي كلّ آن وأوان انطلاقا من أبسط عمل إلى أعقده: فمن تعلّم الأكل عليه أن يتعلّم غسل آنيته ومن اشتهى "الملوخيّة التونسيّة" فعليه أن يشارك في طبخها، إذ ليس مقدّرا على "جبين" النساء أنّ تكون القدور والأواني طهيا وغسلا وما جاورهما في البيت والشارع من أقدارهنّ المحتومة، وحديثنا له قياساته حتّى في الدّفاع عن الوطن فكلّنا مهما كان جنسنا فداء له. ولا سبيل إلى ترسيخ هذه القيم إلاّ بالتربية والتعليم على العيش المشترك وتشارك الحقوق والواجبات بقدر متساو بين الجنسين. فالاختلاف بين الذكر والأنثى على مستوى الخصائص الطبيعيّة لا يمكنه أن يكون مبرّرا لثقافة التمييز التي توارثناها جيلا بعد جيل وهي بصدد المراجعة في مجتعاتنا من أجل الوصل لا الفصل بين الجنسين.. وحينما نبلغ حلقة الوصل هذه فقط يمكننا أن نقول: مرحبااا بالهبات بين الأزواج والزوجات في كلّ آن وبرّ وبكلّ حبّ وأمل..
تعاقبت الحكومات في الجمهوريّة التونسيّة الثانية بعد ثورة 14 جانفي 2011، وتعدّدت فيها أسماء الرّجال ممّن استفردوا بـ"الرّأس" في الحكومة والبرلمان والدولة والأحزاب وتورّكوا جميع المناصب الوزاريّة ورقابهم مشرئبّة إلى وزارتي العدل والداخليّة وعليهما يتنافس المتنافسون ولأجلهما تسقط "العِمّة" وتشدّ "ربطة العنق" وتشحذ الهمّة، أمّا النساء فلا أهليّة لهنّ في " إمامة" البرلمان أو الحكومة، أو الدولة، وحتّى الأحزاب. واقتصر حضورهنّ بشكل أفقيّ في قواعد هذه الصروح السياسيّة، وشرع يخفت بريقه يوما بعد يوم حتّى فاجأنا التحوير الوزاري الأخير الذي أعلنه مساء يوم 16 جانفي 2021 رئيس الحكومة هشام المشيشي بعد مشاورات حثيثة مع الائتلاف البرلماني المساند للحكومة، وكانت القائمة النهائية للتحوير الوزاري تضم تغييرا في 11 حقيبة وزارية لا يقترح فيها أيّ اسم نسائي.

ونرى في هذا التحوير الرجالي الصرف هدرا للحراك النسوي التونسي بل تعمّدا مقصودا إلى تصفية النَفَس النسائي عن تحمّل أعباء الحقائب الوزاريّة، فيكفيها فيما يعتقدون أن تحمل حقائب الملابس أو الزينة أمّا الوزارات فلها رجالاتها ولا مجال لرِجْل النساء أن تطأ بلاطها إلاّ فيما قلّ وندر. ومثل هذا الإجراء يثير ريبتنا في مسار المناصفة بين الجنسين في المجال السياسي، فهل فقدت النساء الأهليّة في التكليف الوزاري وحتّى الرّئاسي أم هل قصّرن حتّى يتمّ التفويت في حقّهنّ ؟ أم أنّ الأمر يتجاوز الحراك النسوي ذاته إلى الاصطدام بالموروث الاجتماعي الذكوري؟ أم لعلّنا أمام حكومات حينما تجوّع شعبها تأكل نساءها ؟

ولكلّ من يصمّون آذانهم عن ضرورة مشاركة النساء في مراكز القرار السياسي باعتبارها حقّا دستوريّا وليس منّة أو ترفا سياسيّا، فإنّنا نذكّر فحسب بأنّ النساء ساهمن في الثورة، حينما انتفضن في الشوارع مطالبات بإسقاط النظّام، ونالهنّ الضّرب والإيقاف، واستشهدن في سبيل هذه الجمهوريّة الثانية. وحتّى بعد أن سقط النظام تواصل حضورهنّ في الحراك الثوري المنادي باستكمال مسار الثورة فتصدّين ضدّ كلّ من حاول الرّجوع بتونس إلى مربّع الدّكتاتوريّة المتلوّنة بصبغة الحكم الثيوقراطي، ولنا في اعتصامي القصبة 1 و2 خير شاهد على دور النساء مثلهنّ مثل الرّجال في إسقاط حكومة محمّد الغنوشي وإحداث البرلمان أملا في تحقيق أهداف ثورة الحريّة والكرامة والعدالة الاجتماعيّة.

وواصلت النساء النضال في المنابر السياسية والإعلاميّة للمطالبة بالمساواة في الحقوق والواجبات وخاصّة في مجال المشاركة السياسية عبر تقلّد مناصب عليا في الدّولة. ونتيجة لتلك التحرّكات تبنّى المجلس الوطني التأسيسي في ماي 2011 قاعدة التناصف والتناوب في القائمات الانتخابية، وتمّ إدراج فصل في باب الحقوق والحريات يقر بأنّ:" المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز". وكانت النساء في كلّ الانتخابات حاضرات بكثافة يمارسن حقّهنّ الذي حرمن منه لسنين طوال ، وقد بلغت في انتخابات 2011 نسبة الناخبات المسجلات إراديّا 46% أمّا نسبة المترشّحات على القائمات فقد بلغت 48%، وكذا الشّأن بالنسبة إلى انتخابات 2014 إذ فاقت نسبة النّساء المسجّلات في الانتخابات الــ 50 %، فيما بلغ عدد المترشحات حوالي 47 %. ولكن رغم تقارب نسبة الرجّال والنساء في هذه الانتخابات فإنّ النساء في الانتخابات الأولى شغلن فقط نسبة 27 % من المقاعد البرلمانية أي في حدود الرّبع، وفي الثانية نجد 12 امرأة فقط منهنّ ترأّسن القائمات الانتخابيّة، وشاركت تونسية واحدة فقط من 26 مترشّحا في السباق نحو قصر قرطاج.

فبين جمع أصوات النساء للانتخابات وطرحها عن المسؤوليات والقيادة السياسيّة ضرب للحراك النسوي أوّلا ولمدنيّة الدوليّة ثانيا. وهو تزييف للوعي النسوي إذ يؤتى بأصواتهنّ للتعبئة أمّا مركز القرار فيقطفه من استغلّ صوتها، وكأنّ النساء بعد كلّ نضالاتهنّ لم يبرحن مكانهنّ من الاستغلال والتوظيف وإلاّ فبماذا نفسّر حضورهنّ المحتشم في تشكيل الحكومات المتعاقبة في تونس الجمهوريّة الثانية؟ بدءا بحكومة الترويكا التي تشكلت من 48 عضوا وأسندت فقط للنساء 3 مناصب وزارية. والحصيلة ذاتها تتكرّر مع حكومة المهدي جمعة التي أسندت بدورها 3 مناصب فقط للعنصر النسائي، فيما ضمّت حكومة الصيد وزيرتين و5 كاتبات دولة. وهكذا دواليك مع الحكومات المتوالية وصولا إلى حكومة هشام المشيشي التي اقترحت في تحويرها الوزاري 11 حقيبة منحتها جميعها للرجال.

فلِمَ هذا الاستثناء النسائي عن مراكز القرار؟ النساء يمررن على صراط النضال والكفاح والثورة، ينتفضن، وتتعالى أصواتهنّ:" نريدها تونس حرّة أبيّة.. نريدها عيشا كريما وعدالة اجتماعيّة.. نريدها خضراء ننعم بخيراتها رجالا ونساء.. نريدها مناصفة"، ولكن حينما يبدأن قطاف نضالاتهنّ يتساقطن من غربال التشكيل والتحوير ولا تبقى إلاّ التي لها القدرة على تبييض النظام أو تسويد المسار . وإن كنّا لا نعوّل كثيرا على هذا التحوير الوزاري الرّجالي إذ لا يعدو أن يكون مجرّد مسايرة لرمال النظام القديم المتحرّكة، فإنّه قد ترسّخ أكثر في اعتقادنا أنّ النهوض بالأوطان في جميع المجالات عقليّة لا يبلغها أصحاب العقليّة الذكوريّة المتنفّذة والتابعة في مجتمعاتنا..

وعليه يكون من الأحرى على النساء أن يعلمن أنّهنّ بذواتهنّ قادرات على مواصلة المسار النضالي بعيدا عن أن تكون زوجة سياسي أو أخته أو ابنته أو تابعة له فبمثل هذه الانتماءات لن تخرج من جلباب التبييض أو التسويد، في حين أنّنا بحاجة إلى نساء على رأسهنّ عَلَم وفي ذهنهنّ وعي سياسي وطني وبين ضلوعهنّ مسار نضال قدّمت فيه المرأة الغالي والنفيس حتّى يكون لخلفها من النساء صوت حقيقيّ لا مزيّف... حتّى لا تأكلهنّ حكوماتهنّ حينما تجوّع شعبها.
تعليقات