تسعى المجتمعات المتقدمة اخلاقيا ومعرفيا الى القضاء على الجريمة بشتى انواعها واقصائها من دائرة التفاعلات بين كل فئات المجتمع ولا سيما الاسرة.
الأسرة نواة كل الشعوب فهي قد تؤسس الى النمو والرقي وقد تؤسس الى الانحدار والخراب.
لذلك فان اصدار تشريع خاص يحميها تعد مسالة ضرورية جدا نابعة من ثنائية الردع والحماية ومترجمة لرفعة المنظومة القانونية وانسنتها.
ومن هذا المنطلق اصدرت دولة الامارات العربية المتحدة المرسوم بقانون اتحادي رقم (10) لسنة 2019 في شأن الحماية من العنف الاسري بتاريخ 29 أغسطس 2019 وسيتم العمل به من التاريخ الذي سيحدده قرار مجلس الوزراء.
يحتوي المرسوم 13 مادة أتت على محاور عديدة من بينها اهداف المرسوم ومفهوم العنف والعقوبات والصلح.
تطبق احكام هذا المرسوم على جرائم العنف الاسري الصادرة عن أحد افراد الاسرة ضد شخص اخر من افراد اسرته سواء كان من الاصول او من الفروع او من الاقارب بالنسب او المصاهرة حتى الدرجة الرابعة او من الاشخاص المشمولين بحضانة اسرة بديلة.
حيث جاء هذا المرسوم كحماية وردع لكل الممارسات الضارة بالعائلة والماسة بالحرمة الجسدية والصحة النفسية المتعلقة بالأسرة والمرأة والطفل.
العنف ليس جسديا فقط
لم يقتصر القانون على تجريم العنف الجسدي فقط بل حدد ثلاثة اصناف اخرى اضافها الى التعنيف الجسدي وهي الايذاء النفسي والجنسي والاقتصادي، وما يربط هذه الأصناف الثلاث هي نتائج واثار الفعل العنيف الذي يسفر بالضرورة على ضرر معنوي او جسدي او مادي او جنسي يفقد الشخص جراءه الشعور بالأمان والطمأنينة وتصبح حياته النفسية والعقلية معرضة الى خطر مستمر.
دور النيابة العامة
اعطى القانون النيابة العامة صلاحية اصدار امر الحماية من تلقاء نفسها او بناء على طلب المعتدى عليه لردع الفعل العنيف وحماية المعنف في جسده ونفسه وماله.
وقد جاء بالقانون- على سبيل الذكر لا الحصر- إجراءات الحماية الواجب اتخاذهما من قبل النيابة العامة عند الحاجة والتي من بينها الالتزام بعدم التعرض للمعتدى عليه وعدم الاقتراب من الأماكن المقررة لحمايته او أي أماكن مذكورة في امر الحماية الذي حدده القانون بثلاثين يوم كحد أدني وستون يوم كحد اقصى.
عقاب ام صلح؟
تراوحت نصوص القانون بين مبدا العقوبة على ارتكاب الفعل المجرم ومبدأ التسامح والصلح وإعطاء مساحة لأفراد الاسرة لإعادة ترميم العلاقة بينهم.
حيث تراوحت العقوبة ضمن هذا المرسوم بين الحبس لمدة ثلاث الى ستة أشهر وغرامة مالية بين 1000 درهم و10000 درهم وذلك إذا خالف الجاني امر الحماية الصادر عن النيابة العامة او إذا ارتكب أي فعل من الأفعال المجرمة المنصوص عليها بالمرسوم.
كما أحال المرسوم الأفعال المجرمة الى احكام القانون عدد 3 لسنة 1987 المتعلق بالعقوبات واقر مضاعفة العقوبة في حالة تكرار الجاني لفعل لجريمة العنف الاسري خلا سنة واحدة.
اما بخصوص الصلح فقد أحال المرسوم هذا الاجراء الى احكام قانون الإجراءات الجزائية ضمن فصل الصلح الجزائي، الذي تعتمد على فكرة انهاء النزاع بشكل ودي وانهاء الدعوى الجزائية او وقف تنفيذ الحكم الصادر فيها حسب الأحوال.
نرى ان هذا المرسوم يعبر على تطور المنظومة القانونية بدولة الامارات المتحدة لتأكيده على أهمية كل فئات المجتمع ومساواتهم امام القانون كما انه يحافظ على النسيج المجتمعي بوضع حد للعنف بالمجال الخاص كماهو الامر بالنسة للمجال العام.